جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٨٥ - طرق حصول العلم بجهة القبلة
..........
ما يشملها من العلم في نحو قولهم: «لا يجوز التعويل على الظنّ في القبلة مع التمكّن من العلم»، و أنّ المراد الاجتهادي من الظنّ فيها لا مثل الظنّ الحاصل منها الذي قد عرفت الدليل من النصّ و الإجماع على العمل به، فتأمّل. و من ذلك يعرف ما في المحكي عن فوائد القواعد في تفسير عبارتها المذكورة سابقاً من أنّ «المراد بالعلم بها للبعيد استفادتها من محراب المعصوم أو قوله، و مع تعذّره يرجع إلى ما نصبه الشارع علامة و إن كان بعضه مفيداً للعلم، إلّا أنّه لا يرجع إليه حينئذٍ مطلقاً؛ لما تحقّق من عدم جواز الاجتهاد بتلك العلامات بما يخالف محراب المعصوم» [١]، فإنّ فيه نظراً من وجوه. و كذا ما في جامع المقاصد في شرح العبارة المزبورة أيضاً من أنّ «أكثر ما سبق من العلامات يفيد القطع بالجهة في الجملة، فكان حقّ العبارة أن يقول: فإن جهلها عوّل على ما يفيد القطع من العلامات، ثمّ على ما يفيد الظنّ» ثمّ قال: «و يمكن أن يقال: العلامات المذكورة و إن أفاد بعضها القطع بالجهة في الجملة، إلّا أنّها بالإضافة إلى نفس الجهة إنّما تفيد الظنّ؛ لأنّ محاذاة الكواكب المخصوصة على الوجه المعيّن مع شدّة البعد إنّما يحصل به الظنّ، فيندرج الجميع فيما وضعه الشارع أمارة» [٢]. بل و ما في فوائد الكتاب في شرح المتن من أنّ «المراد من جهلها على وجه لا يستطيع معرفتها بالعلامات المثمرة لليقين، كمحاذاة الجدي و المشرق و المغرب مثلًا، فإنّ هذه محصّلة لليقين في الجملة و إن لم يحصل بها نفس السمت يقيناً» ثمّ قال: «و المراد بالأمارات المفيدة للظنّ نحو الضوء الكثير آخر النهار في يوم الغيم المفيد للظنّ أنّ ذلك الجانب هو المغرب» [٣]. و لقد أصاب فيما ذكر أنّه المراد بالأمارات و إن كان في تعليله السابق نظر، كالذي في المسالك، قال في شرح المتن: «ليس المراد بالأمارات هنا ما هو مذكور في كتب الفقه لتحصيل الجهة كالجدي و نحوه، فإنّ تلك مفيدة للعلم بالجهة إذا احرزت على وجهها، بل المراد بالأمارات المفيدة للظن الرياح الأربع و منازل القمر و نحوهما ممّا لا ينضبط غالباً، فإنّهم جوّزوا التعويل عليها عند تعذّر غيرها من الأمارات المفيدة للعلم بالجهة كالكواكب. أمّا الرياح فإنّما تكون علامة عند تحقّقها، و لا يكاد يتّفق لغير الماهر في معرفة طبائعها و منازلها و مثار أفعالها إلّا مع العلم بالجهات الأربع، و معه يستغنى عن الاستدلال بها.
و أمّا القمر فإنّه يكون ليلة سبع من الشهر في قبلة العراقي أو قريباً منها عند المغرب، و ليلة الرابع عشر منه نصف الليل، و ليلة الحادي و العشرين عند الفجر، إلّا أنّ ذلك كلّه تقريبي لا يستمرّ على وجه واحد؛ لاختلاف حركات القمر، فلذلك اشترط التعويل عليها بفقد العلامات الثابتة كالجدي» [٤]. و قد تبع فيما ذكره أخيراً ما في جامع المقاصد، حيث قال بعد ما ذكر جملة من الكلام:
«فيستفاد من قول العلّامة: «و القادر على العلم ... إلى آخره»، أنّ القادر على القبلة [بالجدي] حال استقامته مثلًا لا يكفيه التعويل على كون القمر ليلة السابع من الشهر في وقت المغرب محاذياً لقبلة المصلّي، و ليلة الرابع عشر منه نصف الليل؛ و ليلة الحادي و العشرين منه عند الفجر، فإنّه ينتقل في المنازل، فيغرب في ليلة كونه هلالًا على نصف سبع الليل؛ لأنّ ذلك تقريبي يزيد و ينقص» ٥، إلى غير ذلك من كلماتهم التي لا يخفى عليك ما فيها بعد الإحاطة بما قدّمنا.
و كيف كان ف[- لا ريب في تقدّم الأمارات على الاجتهاد].
[١] فوائد القواعد: ١٥٥.
[٢] ٢، ٥ جامع المقاصد ٢: ٦٩.
[٣] فوائد الشرائع (حياة الكركي) ١٠: ١٢٦.
[٤] المسالك ١: ١١٥.