جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٤٩ - كيفية استقبال الكعبة
..........
من الانحراف عن النجوم و بعض النقط، و حينئذٍ فالأولى جعل المدار فيما لا يجوز من الانحراف على المفوّت للظنّ المزبور القائم مقام العلم بعد تعذّره، و لعلّه غير المستفاد من الأدلّة ممّا ستعرفه من تفاوت العلامات المزبورة.
و ممّا يؤكّد إرادته ما ذكرنا في كيفيّة استقبال البعيد ما عثرنا عليه من كلامه أيضاً في شرح الإرشاد، فإنّه بعد أن حكى عن والده الاعتراض الأوّل المزبور على تعريف التذكرة، قال: «قلت: قد يحمل المحاذاة على الحسّية، بل ذلك هو المتعارف على لسان أهل الشرع على نحو ما اشتهر بينهم من أنّ أهل العراق مثلًا و إن طالت صفوفهم و استوت مواقفهم يجعلون الجدي بحذاء المنكب الأيمن على نحو واحد، و من المعلوم امتناع ذلك بحسب نفس الأمر، لاختلاف أشخاصهم فيه، و إنّما يمكن تحقّقه بحسب الحسّ، فعلى هذا ليس البعد مخلّاً بظنّ المحاذاة، بل كلّما ازداد اتّسع السمت الذي تظنّ هي فيه».
و هو صريح فيما ذكرنا أوّلًا و آخراً، على أنّ ذلك كلّه منّا مماشاةً لبعض الأذهان التي تستوحش من التفرّد بالقول، و لم تتفطّن إلى أنّ الوحشة من الباطل و إن كثر القائل به، و الانس بالحق و إن قلّ.
و ربّما كان أيضاً بعض ما يحكى عن روض الشهيد الثاني إشارة إلى ما قلناه، فإنّه بعد أن اعترض على التذكرة بما سمعته من المحقّق الثاني من الصفّ المستطيل، قال: «فإن قيل: القطع بخروج بعض الصفّ متعلّق بأفراد المجموع على الإشاعة لا على التعيين، فلا ينافيه ظنّ كلّ واحد على التعيين أنّه مستقبل». و أجاب بأنّ «الظنّ لا بدّ من استناده إلى أمارة شرعيّة، و هذا القطع ٧/ ٣٤٠/ ٥٤٣
ينافيه». ثمّ قال: «و لو قيل بأنّ هذا لا يتحقّق مع البعد؛ لأنّ الجرم الصغير كلّما ازداد الإنسان عنه بُعداً اتسعت جهة المحاذاة، فيمكن محاذاة العشرة للشخص الواحد، فليكن الصفّ المستطيل كذلك». و أجاب بأنّ «هذا تحقيق أمر الجهة دون المعنى الذي ذكره؛ إذ التحقيق أنّ محاذاة القوم للجرم الصغير عن موقفهم ليست إلى عينه و إن أوهم ذلك؛ لأنّا نفرض خطوطاً خارجة من موقفهم نحوه بحيث تخرج متوازية فانّها لا تلتقي أبداً و إن خرجت إلى غير النهاية، و العلامات المنصوبة من الشارع تقضي بعدم ذلك» [١].
إذ هو- خصوصاً قوله: «إنّ هذا تحقيق أمر الجهة»- كالصريح فيما قلناه، الذي منه يعرف ما في المحكي عن البهائي في رسالته التي أفردها في ذلك من «أنّ الجهة أعظم سمت يشتمل على الكعبة قطعاً أو ظنّاً بحيث تتساوى نسبة أجزائه إلى هذا الاشتمال من دون ترجيح». قال: «و إنّما اعتبرنا أعظم سمت لئلّا ينتقض طرده بأجزاء الجهة، و لم نقتصر على الظنّ لئلّا ينتقض عكسه بالسمت الذي يقطع بعدم خروج الكعبة عنه، و لا على القطع لئلّا ينتقض بالجهة المظنون كون الكعبة فيها عند العجز عن تحصيل القطع بذلك. و أمّا قيد الحيثية فلإخراج سمتٍ يكون اشتمال بعض أجزائه على الكعبة أرجح؛ إذ الحقّ أنّ الجهة ليست مجموع ذلك السمت، بل بعضه، أعني الأجزاء التي يترجّح اشتمالها على الكعبة بشرط تساوي نسبة الرجحان إلى جميعها، فلا يجوز للمصلّي استقبال الأجزاء المرجوحة الاشتمال عليها، خلافاً للمستفاد من جماعة» [٢]. و أنت خبير بأنّ المهمّ بيان حقيقة الجهة المذكورة في كلامهم بحيث ينطبق على الأدلّة الشرعيّة لا هذه الاحترازات. و قد عرفت أنّه لا مدخليّة للقطع و الظنّ و الاحتمال فيها، بل هي امور تتعلّق بها، بل ليس المراد منها إلّا المقابلة و المحاذاة الحسيّة للبعيد من حيث كونه بعيداً.
[١] الروض ٢: ٥١٤.
[٢] نقله في مفتاح الكرامة ٢: ٧٥.