جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٠٤ - لبس الحرير للرجال
(إلّا في) حال (الحرب و عند الضرورة كالبرد المانع من نزعه) فيجوز لبسه حينئذٍ (١).
و لا إشكال حينئذٍ في صحّة الصلاة معها (٢).
(١) بلا خلاف أجده، بل في الذكرى و ظاهر المدارك و صريح المحكيّ عن المعتبر و كشف الالتباس [١] الإجماع عليه، كصريح جامع المقاصد [٢] في الأوّل، و ظاهره و المحكي عن المنتهى و صريح التذكرة [٣] في الثاني. و قال الصادق (عليه السلام) في خبر إسماعيل بن الفضل: «لا يصلح للرجل أن يلبس الحرير إلّا في الحرب» [٤]. و مرسل ابن بكير: «لا يلبس الرجل الحرير و الديباج إلّا في الحرب» [٥]. و لسماعة بن مهران لمّا سأله عن لباس الحرير و الديباج: «أمّا في الحرب فلا بأس و إن كان فيه تماثيل» ٦. إلى غير ذلك ممّا ورد في الحرب ٧. أمّا الضرورة فمع معلوميّة إباحة المحظورات عند الضرورات يدلّ عليها: عموم قولهم (عليهم السلام): «ليس شيء ممّا حرّم اللّٰه إلّا و قد أحلّه لمن اضطرّ إليه» [٨]. و «كلّما غلب اللّٰه عليه فاللّٰه أولى بالعذر» [٩]. و «رفع عن امّتي ما لا يطيقون» [١٠]. و نحو ذلك ممّا دلّ على دفع الضرر من العقل و النقل، و تقدّمه على غيره من الواجبات.
(٢) لعدم سقوطها بحال. و البحث في وجوب التأخير- مع العلم بالزوال أو رجائه- و عدمه ما سمعته مكرّراً في غيره من ذوي الأعذار، فلا وجه لإعادته. كما أنّه لا وجه للبحث عن الضرورة؛ إذ هي كغيرها من الضرورات التي يسقط بها التكليف في الواجبات و المحرّمات. و ربّما كان دفع القمل و الحكّة و نحوهما منها [من الضرورة] إذا كانا بحيث لا يتحمّلان عادةً، و لعلّه لذا رخّص النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) عبد الرحمن بن عوف و الزبير في لبسه، لمّا شكيا من القمل [١١]. و من الغريب ما عن المعتبر من أنّ الأقوى عدم التعدية إلى غيرهما [١٢]، و إن وجّه بأنّه مبنيّ على ما ذهب إليه في اصوله ١٣ من عدم حجّية منصوص العلّة، إلّا أن يكون هناك شاهد حال دالّ بالقطع على سقوط اعتبار ما عدا تلك العلّة حتى يصير برهاناً؛ إذ فيه أنّ الدليل ما عرفته لا العلّة المزبورة.
نعم، لو أراد عدم التعدية من حيث القمل و إن لم يبلغ حدّ الضرورة اتجه ذلك؛ لعدم العلم بكيفيّة ثبوت ذي العلّة، بل لم أعثر على الخبر المزبور مسنداً من طرقنا و إن اشتهر نقله في كتب أصحابنا. قال في الفقيه: «لم يطلق النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) لبس الحرير لأحد من الرجال إلّا لعبد الرحمن بن عوف، و ذلك أنّه كان رجلًا قملًا» [١٤]. و لا ريب في إرادة وصوله حدّ الضرورة المبيحة، و إلّا ثبت جوازه لغير الأمرين المذكورين المنافي لظاهر النصوص و الفتاوى، بل ربّما ادرج أوّلهما في ثانيهما، و إن كان هو خلاف ظاهر العطف في كلام الأكثر، بل و خلاف إطلاق النصوص. نعم ينبغي الفرق بين ضرورة القمل و نحوه و ضرورة البرد مثلًا بجواز الصلاة فيه في الثانية دون الاولى؛ لعدم خوف ضرر القمل بلبس غيره حال الصلاة خاصّة، بخلاف البرد المفروض التضرّر بنزعه معه و لو حال الصلاة خاصة، أمّا لو فرض العكس انعكس الحكم. و بالجملة: فالمدار على الضرورة حال الصلاة.
و احتمال الاكتفاء في رفع مانعيّته للصلاة بجواز لبسه للضرورة- لا للتلازم بين البطلان و حرمة اللبس، و الجواز و الصحّة؛ ضرورة تعقّل الانفكاك، بل لدعوى ظهور النصوص و الفتاوى في اتحاد موضوع الحرمة و البطلان و الصحّة و الجواز- واضح المنع.
[١] الذكرى ٣: ٤٥- ٤٦. المدارك ٣: ١٧٤. المعتبر ٢: ٨٨. كشف الالتباس: الورقة ١٤٥.
[٢] جامع المقاصد ٢: ٨٥.
[٣] المنتهى ٤: ٢٢٠. التذكرة ٢: ٤٧١.
[٤] الوسائل ٤: ٣٧١- ٣٧٢، ب ١٢ من لباس المصلّي، ح ١.
[٥] ٥، ٦، ٧ المصدر السابق: ٣٧٢، ح ٢، ٣، ٥.
[٨] الوسائل ٥: ٤٨٣، ب ١ من القيام، ح ٦، ٧.
[٩] الوسائل ٨: ٢٥٩، ب ٣ من قضاء الصلوات، ح ٣.
[١٠] الوسائل ١٥: ٣٦٩، ب ٥٦ من جهاد النفس، ح ١، ٣.
[١١] سنن ابن ماجة ٢: ١١٨٨، ح ٣٥٩٢.
[١٢] ١٢، ١٣ المعتبر ٢: ٨٨- ٨٩. معارج الاصول: ١٨٣.
[١٤] الفقيه ١: ٢٥٣، ذيل الحديث ٧٧٥.