جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٩١ - التعويل على قبلة البلد
فالأولى ترك الاجتهاد (١).
فلو اجتهد فظنّ الغلط ملاحظاً لاستمرار فعل المسلمين كان الأحوط له الصلاة إلى الجهتين.
و أمّا الاجتهاد فيها يميناً و شمالًا (٢) [القادحين في الصلاة فضلًا عن غيرهما فلا يعارض قبلة البلد].
(١) لعدم وجوبه قطعاً.
(٢) فقد صرّح جماعة من الأصحاب بجوازه، بل لا أجد فيه خلافاً بينهم إلّا من المحكي عن نهاية الإحكام، حيث قال: «و لو اجتهد فأدّاه اجتهاده إلى خلافها فإن كانت بنيت على القطع لم يجز العدول إلى الاجتهاد، و إلّا جاز» [١].
و الظاهر اكتفاؤه في البناء على القطع باستمرار صلاة المسلمين إليها من غير معارض، كما أنّ دليله على الظاهر أقربيّة احتمال إصابة الخلق الكثير من احتمال إصابة الواحد فيه. لكن يردّه ما في الذكرى من «جواز ترك الخلق الكثير الاجتهاد في ذلك؛ لأنّه غير واجب عليهم، فلا يدلّ مجرّد صلاتهم على تحريم اجتهاد غيرهم، و إنّما يعارض اجتهاد العارف لو ثبت وجوب اجتهاد الكثير أو ثبت وقوعه، و كلاهما في حيّز المنع، بل لا يجب الاجتهاد قطعاً» قال: «و قد وقع في زماننا اجتهاد بعض علماء الهيئة في قبلة مسجد دمشق، فإنّ فيها تياسراً عن القبلة مع انطواء الأعصار الماضية على عدم ذلك» و قال أيضاً: «عن عبد اللّه بن المبارك أنّه أمر أهل مرو بالتياسر بعد رجوعه من الحجّ» [٢].
قلت: إن اريد باليمين و الشمال ما لا يقدح عدمه في الصلاة فلا ثمرة معتدّ بها لهذه المسألة؛ ضرورة أنّه يجوز ترك العمل به و لو بعد الاجتهاد، و إن اريد ما يقدح منهما فهو كالخطإ في الجهة مستبعد على الخلق الكثير في الأزمنة المتطاولة، خصوصاً و قد عرفت أنّ استمرار الخلق ممّا يفيد بناءها على القطع و اليقين لا الظنّ و التخمين.
و قد ادعى الوجدان في الحدائق على مخالفة قبلة جميع ما شاهده من البلدان للقواعد الرياضيّة، و منها الداخل في الإسلام في زمن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) و عيّن فيها ولاة من جهته، إلى أن قال: «و اللازم من ذلك أحد أمرين: إمّا بطلان صلاة أهل تلك البلدان في جميع الأزمان، أو عدم اعتبار هذه العلامات و إن أفادت اليقين كما ذكروه دون الظن و التخمين، و الأوّل أظهر في البطلان من أن يحتاج إلى البيان، سيّما و جملة منها صلّى فيها الأئمّة (عليهم السلام) كالمدينة و خراسان و مسجد الكوفة، و دعوى التغيير في هذه البلدان عمّا كانت عليه في سابق الأزمان دعوى بغير دليل، بل مخالفة لما جرت عليه كافّة العلماء جيلًا بعد جيل، فتعيّن الثاني» [٣].
قلت: لا يفهم المراد من هذا الكلام؛ إذ هذه الأمارات أكثرها شرعيّة؛ ضرورة كونها مأخوذة من نصّ الشارع أو بالمقايسة لما نصّ عليه و لو تقريباً، فإن أراد مخالفة قبلة البلدان المزبورة لهذه الأمارات مخالفة تؤدّي إلى فساد الصلاة ففيه منع، و إن أراد مخالفتها للقواعد الرياضيّة من الدوائر و الاسطرلابات و نحوها فقد عرفت أنّه لا عبرة بهذا الاختلاف الذي منشؤه مراعاة التحقيق في القواعد المزبورة، و بناء القبلة على التقريب كما أومأ إليه اختلاف ما جعله الشارع علامة لذلك على ما قدّمناه سابقاً، و إن أراد أنّ قبلة البلد لا يعارضها الاجتهاد في اليمين و الشمال القادحين فضلًا عن غيرهما فمرحباً بالوفاق؛ لما أشرنا إليه سابقاً، فتأمّل جيّداً، و اللّٰه أعلم.
[١] نهاية الإحكام ١: ٣٩٣.
[٢] الذكرى ٣: ١٦٨.
[٣] الحدائق ٦: ٤٠٦.