جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٥٢ - كيفية استقبال الكعبة
..........
٢- و لما هو المستفاد من الكتاب و السنّة، بل الضرورة من الدين، من استقبال الكعبة للقريب و البعيد الذي لا يتحقّق عرفاً إلّا باستقبالها حقيقةً، الذي منه استقبال الجهة بالمعنى الذي ذكرناه سابقاً، لا الجهة العرفيّة المبنيّة على التسامح و عدم الاستقبال حقيقةً.
٣- و أمر السيّد عبده بسبب قرائن الأحوال محمول عليها، بل هو عند التحقيق مراد منه جهة الجهة، و إلّا فلو فرض عدم القرينة على ذلك وجب بذل الجهد في تحصيل الاستقبال حقيقةً.
و احتمال أنّ الشارع مراده هذا التسامح، يدفعه:
[أوّلًا:] عدم القرينة على ذلك كي يحمل عليه الخطاب المزبور؛ ضرورة عدم كون المسامحات العرفيّة حقائق تحمل الألفاظ عليها بدونها.
و ثانياً: أنّ ملاحظة الفتاوى و ما تسمعه من النصوص- التي فيها:
١- التفرقة بين طريق الحجّ و غيره بوضع الجدي على اليمين و القفا [١]، مع سهولة التفاوت بينهما.
٢- و فيها [٢] أنّه المراد من قوله تعالى: (وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) [٣].
٣- و فيها [٤] جعل ما بين المشرق و المغرب قبلة لخصوص المخطئ و المتحيّر.
٤- و فيها [٥] الأمر بالتحرّي لغير المتمكّن من العلم، و بالصلاة لأربع لفاقدهما [٦].
٥- و فيها غير ذلك- تشرف الفقيه على القطع بعدم إرادة هذا التسامح الذي يقتضي عدم الاستعداد له بعلامة أصلًا، و عدم إشكال الحال على السائل المسافر، بل ستسمع ما في المروي عن رسالة المحكم و المتشابه منها ما يزيد ذلك كلّه تأكيداً.
نعم، لمّا كان استعداد الناس و فطانتهم مختلفة أشدّ اختلاف- حتى أنّ منهم من يصل إلى كثير من نتائج العلوم المدوّنة من غير حاجة إلى أهلها و مقدّماتها، و منهم من ليس له إلّا قابليّة التقليد- ناط الشارع هنا التكليف بالعلم مع التمكّن منه بلا عسر و حرج كما يتيسّر لكثير من أفراد الناس الممارسين المتنبّهين من أهل البادية و القرى، بل لعلّ اتفاق ذلك في الأوّلين أكثر، و مع عدم التمكّن فالتحرّي، و مع عدمهما فالأربع جهات. فلا عسر و لا حرج في ذلك على عامّة المكلّفين؛ إذ لم يكلّفهم بمعرفة قواعد علم الهيئة الذي هو دقيق المقدّمات، و لا يعرفه إلّا أوحديّ الناس، بل إنّما أمر بالعلم بحصول الاستقبال للمتمكّن- كما هو القاعدة في كلّ موضوع- و بالظنّ لغيره، و بالعلم الاجمالي لفاقدهما، فمن كان حسن الفطنة يتمكّن من حصول العلم بسبب معرفته في علم الهيئة أو بغير ذلك وجب عليه، و إلّا أخذ بالأحرى فالأحرى على حسب استعداده أيضاً، و ما يتيسّر له من أسباب الظنّ إلى أن يصل إلى التقليد و أدون.
و لعلّ هذا موافق للقاعدة المعلومة، و هي قيام الظنّ مقام العلم عند التعذّر في موضوعات الأحكام، خصوصاً في المقام الذي
[١] الوسائل ٤: ٣٠٦، ب ٥ من القبلة، ح ١، ٢.
[٢] المصدر السابق: ٣٠٧، ح ٣.
[٣] النحل: ١٦.
[٤] الوسائل ٤: ٣١٤، ب ١٠ من القبلة، ح ١.
[٥] الوسائل ٤: ٣٠٨، ب ٦ من القبلة، ح ٢، ٣.
[٦] انظر الوسائل ٤: ٣١٠، ب ٨ من القبلة.