جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٧٨ - الصلاة في الشعرات الملقاة على اللباس
..........
و أشكله في المدارك و تبعه المحدّث البحراني بأنّه «يمكن أن يقال: إنّ الشرط ستر العورة، و النهي إنّما تعلّق بالصلاة في غير المأكول، فلا يثبت إلّا مع العلم بكون الساتر كذلك.
و يؤيّده صحيحة عبد اللّه بن سنان، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «كلّ شيء يكون فيه حرام و حلال فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه» [١]» [٢].
و ردّه الاستاذ الأكبر (رحمه الله) [٣] بما حاصله: عدم مدخليّة العلم في مفاهيم الألفاظ، فالمفسد حينئذٍ للصلاة واقعاً حرام الأكل فيه، فلا بدّ أن يكون عدمه في الواقع شرطاً، و ليس هو إلّا حلال الأكل، فالمشكوك غير مجزٍ:
١- للشكّ في الشرط، و لا أصل ينقّحه.
٢- و لعدم العلم بالصحّة حتى يخرج عن يقين الشغل على حسب ما قرّروه في اشتراط العدالة من قوله تعالى: (إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) [٤]، و نظائره.
قلت: قد يقال: إنّه بعد فرض الإطلاق أو العموم المتناول لكلّ ساتر لا يتمّ الكلام المزبور؛ ضرورة كون المعلوم أنّ فائدتهما دخول الفرد المشتبه، و هذا هو الفارق بين ما نحن فيه و بين اشتراط العدالة؛ لعدم الأمر بقبول كلّ خبر ثمّ نهي عن خبر الفاسق كي يدخل مجهول الحال.
بل ظاهر الآية إنّما اقتضى ردّ خبر الفاسق، و استفيد من مفهومه قبول خبر غيره، و ليس هو إلّا العدل في الواقع، فمن هذه الجهة اشترط العدالة، و لم يعتبر خبر مجهول الحال؛ لعدم العلم بكونه غير فاسق في الواقع. بخلاف المقام المفروض فيه تحقّق الإطلاق أو العموم اللذين فائدتهما دخول مثل ذلك. و لا ينافيه كون المانع عدم المأكولية واقعاً؛ لعدم تحقّقها مع تحقّق مقتضي الصحّة، و هو مطلق الاستتار.
و دعوى صيرورة العامّ أو المطلق بعد التقييد موصوفاً بضدّ ذلك القيد- فلا يتحقّق مع الشكّ- يمكن منعها؛ لعدم تعقّل ذلك من نحو «استتر بأيّ ساتر» و «لا تستتر بما لا يؤكل» مثلًا كما في نظائره. و الالتجاء إلى باب المقدّمة في اجتناب المشكوك، يدفعه: أنّه في حكم غير المحصور من المشتبه الذي لا يجب اجتنابه، كما في كلّ فرد واحد لم يعلم أنّه من المحلّل أو المحرّم، إنّما الذي يجب اجتنابه المعلوم تحقّقه المشتبه شخصه.
و دعوى إلحاق ذلك به باعتبار أنّ المدار في المحصور و غيره على الحرج في الاجتناب و عدمه، و إلّا فالجميع تجري فيه باب المقدّمة، و ما نحن فيه ممّا لا حرج في اجتنابه. يدفعها: أنّه خلاف المعلوم منهم في عدم اجتناب ذلك منهم للمقدّمة، خصوصاً في نحو المقام المتحقّق فيه مقتضي الامتثال للإطلاق أو العموم مع أصالة البراءة عن مقتضي المنع. فالأولى حينئذٍ في الردّ دعوى ظهور قوله (عليه السلام) في الموثّق المزبور: «لا يقبل اللّٰه تلك الصلاة ... إلى آخره» [٥] في اشتراط المأكوليّة في الساتر إذا كان من حيوان، كما أومأنا إليه سابقاً، و لعلّه إليه مطمح نظر العلّامة [٦]. فالمشكوك فيه لا يجزي.
[١] الوسائل ١٧: ٨٨، ب ٤ ممّا يكتسب به، ح ١.
[٢] المدارك ٣: ١٦٧. الحدائق ٧: ٨٦.
[٣] حاشية المدارك ٢: ٣٥٣.
[٤] الحجرات: ٦.
[٥] الوسائل ٤: ٣٤٥، ب ٢ من لباس المصلّي، ح ١.
[٦] المنتهى ٤: ٢٣٦.