جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٤٢ - اشتراط إباحة مكان المصلّي
ثمّ لا يخفى عليك أنّه لا إشكال (١) في الصحّة مع فرض عدم الرجوع، من غير فرق بين الإذن بالصلاة، أو الكون صريحاً أو فحوى.
٨/ ٣٠٠/ ٤٩٦
و منه يعلم حينئذٍ أنّه لو كان مكرهاً على الكون في المكان لحبس بباطل من المالك أو غيره لا على هيئة مخصوصة، أو خوف على النفس أو غير ذلك من وجوه الإكراه، تصحّ منه صلاة المختار؛ ضرورة عدم الفرق بينه و بين المأذون في الكون بعد اشتراكهما في اباحته و حلّيته.
نعم، لو استلزمت الصلاة تصرّفاً زائداً على أصل الكون لم يجز؛ لعدم الإذن فيه، لا ما إذا لم تستلزم (٢).
(١) عندهم.
(٢) فإنّها حينئذٍ أحد أفراد الكون الذي فرض الإذن فيه.
على أنّ القيام و الجلوس و السكون و الحركة و غيرها من الأحوال متساوية في شغل الحيّز، و جميعها أكوان، و لا ترجيح لبعضها على بعض، فهي في حدّ سواء في الجواز، و ليس مكان الجسم حال القيام أكثر منه حال الجلوس. نعم يختلفان في الطول و العرض؛ إذ الجسم لا يحويه الأقلّ منه، و لا يحتاج إلى أكثر ممّا يظرفه كما هو واضح بأدنى تأمّل.
و من الغريب ما صدر من بعض متفقّهة العصر، بل سمعته من بعض مشايخنا المعاصرين من أنّه يجب على المحبوس الصلاة على الكيفيّة التي كان عليها أوّل الدخول إلى المكان المحبوس فيه، إن قائماً فقائم، و إن جالساً فجالس، بل لا يجوز له الانتقال إلى حالة اخرى في غير الصلاة أيضاً؛ لما فيه من الحركة التي هي تصرّف في مال الغير بغير إذنه. و لم يتفطّن أنّ البقاء على السكون الأوّل تصرّف أيضاً لا دليل على ترجيحه على ذلك التصرّف، كما أنّه لم يتفطّن أنّه عامل هذا المظلوم المحبوس قهراً بأشدّ ما عامله الظالم، بل حبسه حبساً ما حبسه أحد لأحد. اللهم إلّا أن يكون في يوم القيامة مثله، خصوصاً و قد صرّح بعض هؤلاء أنّه ليس له حركة أجفان عيونه زائداً على ما يحتاج إليه، و لا حركة يده أو بعض أعضائه كذلك، بل ينبغي أن تخصّ الحاجة في التي تتوقّف عليها حياته و نحوها ممّا ترجح على حرمة التصرّف في مال الغير. و كلّ ذلك ناشٍ عن عدم التأمّل في أوّل الأمر و الأنفة عن الرجوع بعد ذلك، أعاذ اللّٰه الفقه من أمثال هذه الخرافات.
و أغرب شيء دعواهم أنّ الفقهاء على ذلك، و لم يتأمّل أنّهم لو أرادوا ذلك وجب المبالغة في تحريره و إظهاره و بيان مقدار الجائز من حركاته و سكناته و غير الجائز، بل كان من الامور العجيبة في الفقه المحتاجة إلى كمال الإطناب في موضوع الحكم و دليله، و لا كان ينبغي ذكرهم المحبوس مع جاهل الغصب و نحوه المشعر باتّحاد كيفيّة الصلاة فيهما، قال العلّامة الطباطبائي في منظومته:
و استثن مغصوباً من المكان * * * لعالم بالغصب ذي إمكان
فما على الجاهل و المضطر * * * شيء سوى ضمانه للأجر [١]
و في الروضة بعد أن ذكر المنع في المغصوب قال: «كلّ ذلك مع الاختيار، أمّا مع الاضطرار كالمحبوس فيه فلا منع» [٢].
[١] الدرّة النجفية: ٩٢.
[٢] الروضة ١: ٢١١.