جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٦٠١ - الصلاة تجاه النار
..........
ذلك لمن كان من أولاد عبدة الأوثان و النيران» [١]؛ إذ لا ريب في ظهوره في الجواز لمن لا يعلم، و هو الغالب إن لم يكن الجميع؛ إذ ليس شرط الجواز كونه من غيرهم، و إلّا لم يتم في أحد في هذا الزمان إلّا للسادة، فهو حينئذٍ عاضد له. بل يمكن- بمعونة الإجماع على عدم هذا التفصيل فيه- إرادة تفاوت الكراهة فيه، فيكون عاضداً للمطلوب على كلّ حال. بل قد يؤيّده أيضاً جمعه مع الحديد و غيره ممّا هو مكروه عندنا، و لفظ «لا يصلح». بل ربّما كان في قوله (عليه السلام): «أشرّ» نوع إيماء؛ باعتبار ظهوره في الشدّة و الضعف اللذين هما من أوصاف الكراهة و غير ذلك- وجب [٢] صرف النهي المزبور إلى إرادة الكراهة.
فما عن الكافي [٣]: من أنّها تحرم، و في فسادها نظر، بل عن المراسم [٤] الجزم بالفساد، لا ريب في ضعفه، و إن أيّده في كشف اللثام و غيره بأنّ مرفوع الهمداني- للجهل و الرفع- لا يصلح لتنزيل النهي في غيره على الكراهة، بل حكي عن التهذيب:
«أنّه خبر شاذّ مقطوع، و ما يجري هذا المجرى لا يعدل إليه عن أخبار كثيرة مسندة» [٥]. لكن فيه: أوّلًا: ما عرفت من عدم انحصار المعارض به، و لا أنّ العدول به نفسه من غير انجبار و لا اعتضاد. بل عن الصدوق (رحمه الله): «أنّها رخصة اقترنت بها علّة صدرت عن ثقات ثمّ اتصلت بالمجهولين و الانقطاع، فمن أخذ بها لم يكن مخطئاً بعد أن يعلم أنّ الأصل هو النهي، و أنّ الإطلاق هو رخصة، و الرخصة رحمة» [٦]. بل ربّما استظهر منه صحّة الخبر عنده، و لعلّه لوجوده في الاصول المعتمدة التي من المعلوم قصد مصنّفيها العمل بما يودعونه فيها، لا أنّ مرادهم الجمع كما هو ظاهر قصد بعض من تأخّر عنهم، و عبارته ظاهرة في إرادة الجواز اختياراً من «الرخصة» لا المتعارف منها عند المصنّفين، و هي الإذن في المحرّم للضرورة، فيكون المراد حينئذٍ الجواز مع الاضطرار و لو بوضع أحد لها قهراً عليه. و ثانياً: أنّا لم نقف إلّا على الأخبار السابقة، و ليس النهي عن الصلاة إلّا في الموثّق منها و التوقيع لخصوص من كان من أولاد عبدة النيران، فما ذكره [في التهذيب] من الأخبار الكثيرة لم نتحقّقه، فلا ريب حينئذٍ في الكراهة. و ليس في شيء من النصوص هنا و لا الفتاوى ارتفاع الكراهة أو تخفيفها ببُعد العشرة أو القلنسوة و نحوها من الحائل، مع احتمال الثاني منهما هنا بناءً على التقريب الذي ذكرنا سابقاً، بل ربّما كان في التعليل في خبر الهمداني إيماء إليه؛ إذ الظاهر أنّ المراد منه- بقرينة ما وقع للكاظم (عليه السلام) مع أبي حنيفة، كما تسمعه إن شاء اللّٰه في أخبار السترة- التعريض في الردّ على العامّة بذلك، و أنّه مع أقربيّة اللّٰه للمصلّي من كلّ شيء- لأنّه أقرب إليه من حبل الوريد [٧]- تكون الصلاة له، فلا ريب حينئذٍ في ظهوره في رفع نسبة صورة الصلاة إلى النار مثلًا بوجود ما هو أقرب منها [و] من الحائل و إن لم يكن ساتراً. بل قد يحتمل الاجتزاء بالعشرة أذرع أيضاً بناءً على أنّ المراد بهذا التحديد- فيما ورد [٨] فيه- الكشف عن أوّل مصاديق البعد التي يصحّ فيها سلب الصلاة إليها مثلًا كما هي عادة الشارع في نحو هذا التحديد في كلّ ما كان فيه أوّل المصاديق غير متضح في العرف و لا منقّح، فلا يخص حينئذٍ ما ورد فيه [ذكر الحائل] من القبور و النساء و نحوها. إلّا أنّ الجزم بشيء من ذلك- مع إغفال الأصحاب و النصوص في المقام- لا يخلو من إشكال. فالاحتياط الاقتصار في الحائل و البعد هنا على ما يرتفع به موضوع من صدق كونه بين يديه و نحوه، و اللّٰه أعلم.
[١] الاحتجاج ٢: ٥٥٩.
[٢] مربوط بقوله: «فللإجماع» في الصفحة السابقة.
[٣] الكافي: ١٤١.
[٤] المراسم: ٦٦.
[٥] كشف اللثام ٣: ٣٠٦- ٣٠٧.
[٦] الفقيه ١: ٢٥١، ذيل الحديث ٧٦٥.
[٧] الوسائل ٥: ١٣٥، ب ١١ من مكان المصلّي، ح ١١.
[٨] الوسائل ٥: ١٥٩، ب ٢٥ من مكان المصلّي، ح ٥.