جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٨٩ - الصلاة بين المقابر
و لكن لا ريب في أنّ الأحوط في تحصيل الندب و التجنّب عن احتمال الكراهة الصلاة في جهة الرأس، لكن لا على وجه المحاذاة و المساواة (١).
أمّا الصلاة خلفها [قبورهم (عليهم السلام)] (٢) [فعدم الكراهة هو المتجه].
(١) و لعلّه هو الذي أومأ إليه في خبر أبي اليسع السابق [١] بالأمر بالتنحّي عن الخلف ناحية.
(٢) فقد يظهر من المفيد [٢] و غيره المنع، كما أنّ الذي يظهر من غيره من القائلين بالكراهة الكراهة فيها.
و ربّما اشكل على الجميع بالصحيح المزبور. و دفع بأنّه ضعيف شاذّ مضطرب اللفظ، و لعلّ الضعف لأنّ الشيخ رواه عن محمد ابن أحمد بن داود عن الحميري [٣]، و لم يبيّن طريقه إليه، و رواه في الاحتجاج ٤ مرسلًا عن الحميري. و الاضطراب لأنّه في التهذيب ظاهر في الأمر بالصلاة عن يمينه و شماله، و في الاحتجاج نهي فيه عن التقدم و المساواة، و لأنّه في التهذيب كتابة إلى الفقيه، و في الاحتجاج إلى صاحب الأمر (عليه السلام). و قد يجاب بأنّ الظاهر من الشيخ في الفهرست [٥] كون الواسطة بينه و بين الراوي جماعة [منهم] [٦] المفيد و الحسين بن عبد [٧] اللّٰه و أحمد بن عبدون، فيكون الخبر صحيحاً كما وصفه غير واحد. كما أنّ الظاهر تعدد الخبرين، لا أنّه خبر واحد مضطرب اللفظ، أقصاهما المخالفة بالإطلاق و التقييد. فطرحُهُ حينئذٍ- حتى بالنسبة إلى الحكم بندب الخلف أو جوازه من غير كراهة- مع اعتضاده بما سمعته من النصوص و فتوى جماعة؛ لنصوص النهي [٨] عن الاتخاذ قبلة- التي بعضها يمكن دعوى عدم شموله لقبورهم (عليهم السلام)، فليس حينئذٍ إلّا المرسل النبوي الواقع في ذيل صحيح زرارة [٩] الذي قد ذكرنا احتماله كغيره من نصوص الاتخاذ إرادة المعاملة معاملة الكعبة، بل قيل [١٠] بموافقته لروايات العامّة [١١] و فتوى بعضهم بالحرمة [١٢]، و قد جعل اللّٰه الرشد في خلافهم- مخالف لُاصول المذهب و طريقته. على أنّه ربّما احتمل الفرق بين قبر النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و غيره من الأئمّة (عليهم السلام)، فيقتصر في النهي عن الاستقبال على الأوّل؛ لأنّه مضمون المرسل، و لأنّ الشبه بالمعبودية فيه أتم، و كونه كفعل السابقين بأئمّتهم، و إن كان هو في غاية البعد، بل ظاهر التعليل في ذيل خبر زرارة خلافه، بل صورة المعبودية في أمير المؤمنين (عليه السلام) أتم؛ باعتبار ضلال جمع من الناس و دعواهم فيه الربوبيّة. فالقول حينئذٍ بعدم الكراهة في الجميع هو المتّجه، و كأنّه لخصوصيّتهم (عليهم السلام) على باقي الناس، فاغتفر صورة معبوديّتهم دون غيرهم. بل قد يظهر من الأمر به في النصوص السابقة ندبه، بل هو كالصريح من بعض أخبار الحسين (عليه السلام) [١٣]. بل في منظومة الطباطبائي [١٤] أنّ الصحيح و غيره صريح في ذلك. لكن الجزم به- مع احتمال كون المراد من الأمر به رفعَ الكراهة؛ لأنّه في مقام توهّمها أو عدمَ التقدم، خصوصاً مع ملاحظة خبر أبي اليسع المشتمل على الأمر بالتنحّي عنه ناحية- لا يخلو من إشكال. و ربّما احتمل اختصاص قبر الحسين (عليه السلام) بالندبيّة؛ للأخبار السابقة فيه. و لا ريب في أنّ الأحوط في تحصيل المندوب فيه و في غيره الصلاة في جهة الرأس من غير محاذاة.
[١] تقدّم في ص ٥٨٤.
[٢] المقنعة: ١٥١- ١٥٢.
[٣] ٣، ٤ تقدّم في ص ٥٨٢.
[٥] الفهرست ٢٧٠، الرقم ٥٩٣.
[٦] الإضافة من المصدر.
[٧] في المصدر: «عبيد».
[٨] الوسائل ٥: ١٥٩، ب ٢٥ من مكان المصلّي، ح ٣.
[٩] الوسائل ٥: ١٦١، ب ٢٦ من مكان المصلّي، ح ٥.
[١٠] البحار ٨٣: ٣١٤.
[١١] صحيح البخاري ١: ١١٨.
[١٢] المجموع ٣: ١٥٨.
[١٣] انظر الوسائل ١٤: ٥١٧، ب ٦٩ من المزار.
[١٤] الدرّة النجفية: ١٠١.