جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٤٨ - كيفية استقبال الكعبة
..........
و أقرب انطباقاً منه على ما ذكرنا ما في جامع المقاصد، حيث إنّه بعد أن ذكر ما في التذكرة و الذكرى و أورد عليهما ما سمعته قال: «و الذي ما زال يختلج بخاطري أنّ جهة القبلة هي المقدار الذي شأن البعيد أن يجوّز على كلّ بعض منه أن يكون هو الكعبة، بحيث يقطع بعدم خروجها عن مجموعه، و هذا يختلف سعةً و ضيقاً باختلاف حال البعيد» [١].
و هو ظاهر فيما قلناه، لكنّه قال: «فإن قلت: يرد عليه المصلّي بعيداً عن محراب المعصوم بأزيد من سعة الكعبة، فإنّه لا يجوز على ذلك السمت أن تكون فيه؛ لأنّ المحراب يجب أن يكون إلى الكعبة؛ لاستحالة الغلط على المعصوم (عليه السلام). قلت: لمّا كانت قبلة البعيد هي الجهة تعيّن أن يكون محراب المعصوم إليها بحيث لا يحتمل الانحراف أصلًا و لو قليلًا، أمّا كونه محاذياً لعين الكعبة فليس هناك قاطع يدلّ عليه، فيبقى التجويز المعتبر في تعريف الجهة بحاله» ٢.
و لا يخفى عليك أنّه لو أراد ما ذكرنا كان في غنية عن تكلّف الجواب المزبور، فإنّ القطع بخروج العين عن الخطّ لا ينافي المنشئيّة الحاصلة من الاستقبال الصوري بسبب البعد، خصوصاً و قد اعترض بمثل هذا سابقاً على ما في التذكرة، بناءً منه على أنّ محراب المدينة إلى الميزاب عيناً لا جهة، و جوابه لا يدفع ذلك عنه. و كون قبلة البعيد الجهة لا ينافي نصب المحراب إلى عين الميزاب و إن لم يكن ذلك واجباً، كما أنّه لا حاجة أيضاً إلى الجواب بأنّه خبر واحد لا يفيد القطع فالتجويز قائم، أو أنّ المراد جهة الميزاب لا عينه؛ إذ قد عرفت أنّه لا ينافي الجهة بالمعنى المزبور على الفرض المذكور، فضلًا عن هذه الاحتمالات. و لقد عثرت على رسالة في القبلة لولد المحقّق المزبور، قال فيها بعد أن حكى تعريف الذكرى الموافق لما في التذكرة و ما اعترض به والده من الوجهين: «و مختار والدي» و ذكر التعريف المزبور، ثمّ قال: «و عندي أنّها السمت الذي يظنّ محاذاة الكعبة فيه حسّاً، و إليه يرشد كلام العلّامة في النهاية حيث قال: فإنّ الجرم الصغير كلّما ازداد بعداً ازداد محاذاة؛ لامتناع ذلك في المحاذاة الحقيقيّة، فلا يرد إخلال البعد بظنّ المحاذاة؛ إذ هو مؤكّد له حينئذٍ، و لا خروج بعض الزائد طوله على مقدار الكعبة؛ لأنّ ذلك إنّما هو في المحاذاة الحقيقيّة، و من أراد التنبّه لذلك فليعتبر بالأنجم، بل بالنقط الموهومة، كما في القطب الجنوبي و الشمالي». و هو إلى هنا كالنصّ فيما قلناه، لكن قال بعد ذلك: «و أمّا الاستقبال فيكفي في تحقّقه من القريب كون العمود الخارج من قدّام مارّاً بالكعبة، سواء كان عموداً عليها، أو مائلًا يحدث عن جنبيه زاويتان إحداهما أكبر من الاخرى. و أمّا البعيد فإن قلنا: إنّ قبلته الجهة- كما هو المختار- وجب في تحقّقه منه كون العمود الخارج من قدّامه عموداً على الخطّ المارّ بالكعبة أيضاً، و ذلك لما قررناه من اعتبار ظنّ المحاذاة الحسّية في الجهة، فعند تحصيل السمت بالعلامات التي تفيد ظنّاً به يمتنع جواز الانحراف عليه و لو يسيراً؛ إذ مع البعد الكثير و عدم المشاهدة لا يؤمن الانحراف الفاحش في الحسّ أيضاً بالقليل منه، فيفوت الظنّ المعتبر تحقّقه شرعاً. و إن قلنا: إنّ قبلته العين كان تحقّق الاستقبال منه على نحو ما مرّ في القريب». و قد يظنّ ممّا ذكره في كيفيّة استقبال البعيد مخالفة ما قدّمنا، إلّا أنّه يمكن أن يقال- مع عدم سلامة النسخة المزبورة من الغلط-: إنّ مراده المرور الحسّي لا الحقيقي، بمعنى أنّه بسبب البعد يظهر للحسّ مرور العمود بالكعبة؛ لما هو عليه من الاستقبال الصوري، كما يكشف عنه أوّل كلامه و آخره.
و لقد أجاد فيما ذكره أخيراً من الضرر بالانحراف اليسير لما فيه من تفويت الظنّ بالاستقبال الصوري؛ إذ لعلّه كما نجده الآن
[١] ١، ٢ جامع المقاصد ٢: ٤٩.