جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٥١ - كيفية استقبال الكعبة
..........
إلّا الأوحدي منهم.
و اختلافُ هذه العلامات التي نصبوها و خلوّ النصوص عن التصريح بشيء من ذلك سؤالًا و جواباً- عدا ما ستعرفه ممّا ورد [١] في الجدي من الأمر تارةً بجعله بين الكتفين، و اخرى بجعله على اليمين، ممّا هو مع اختلافه، و ضعف سنده و إرساله خاصّ بالعراقي، مع شدّة الحاجة لمعرفة القبلة في امور كثيرة، خصوصاً في مثل الصلاة التي هي عمود الأعمال، و تركها كفر، و لعلّ فسادها و لو بترك الاستقبال كذلك أيضاً، و توجّه أهل مسجد قبا في أثناء الصلاة لمّا بلغهم انحراف النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم)، و غير ذلك ممّا لا يخفى على العارف بأحكام هذه الملّة السهلة السمحة- أكبرُ شاهد على شدّة التوسعة في أمر القبلة، و عدم وجوب شيء ممّا ذكره هؤلاء المدقّقون.
قال في المدارك: «و اعلم أنّ للأصحاب اختلافاً كثيراً في تعريف الجهة، و لا يكاد يسلم تعريف منها من الخلل، و ليس لهم في هذا الاختلاف دليل نقلي يصلح للاستناد إليه، و لا اعتبار عقلي يعوّل عليه، و المستفاد من الأدلّة الشرعيّة الاكتفاء بالتوجّه إلى ما يصدق عليه عرفاً أنّه جهة المسجد و ناحيته، كما يدلّ عليه قوله تعالى: (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)* [٢]. و قوله (عليه السلام): «ما بين المشرق و المغرب قبلة» [٣]. و «ضع الجدي في قفاك و صلّ» [٤]. و خلوّ الأخبار ممّا زاد على ذلك مع شدّة الحاجة إلى معرفة هذه العلامات لو كانت واجبة. و إحالتها على علم الهيئة مستبعد جدّاً؛ لأنّه علم دقيق كثير المقدّمات، و التكليف به لعامّة الناس بعيد من قوانين الشرع، و تقليد أهله غير جائز؛ لأنّه لا يعلم إسلامهم فضلًا عن عدالتهم، و بالجملة: التكليف بذلك ممّا علم انتفاؤه ضرورة» [٥].
و زاد في الحدائق بأنّه: «ممّا يؤيّد ذلك أوضح تأييد ما عليه قبور الأئمّة (عليهم السلام) في العراق من الاختلاف مع قرب المسافة بينها على وجه يقطع بانحراف القبلة مع استمرار الأعصار و الأدوار من العلماء الأبرار على الصلاة عندها و دفن الأموات و نحو ذلك، و هو أظهر ظاهر في التوسعة» [٦].
كما أنّه في غيرها [غير الحدائق] زيادة الإشكال في التعويل على قواعد علم الهيئة بأنّها مبنيّة على كرويّة الأرض. و ما ذكروه في إثبات ذلك لا يثمر ظنّاً فضلًا عن القطع، خصوصاً بعد عدم موافقة الفقهاء لهم على ذلك، بل ظاهر الكتاب العزيز بخلافهم، قال تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرٰاشاً) [٧]، و قال تعالى: (أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهٰاداً) [٨] و قال تعالى:
(وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) [٩]. إلى غير ذلك ممّا لفّقه أتباع المقدّس المزبور ممّا هو معلوم المخالفة:
١- لما أجمع عليه الأصحاب قديماً و حديثاً قولًا و عملًا منهم و من مقلّديهم في سائر الأعصار و الأمصار.
[١]) الوسائل ٤: ٣٠٦، ب ٥ من القبلة، ح ١، ٢.
[٢] البقرة: ١٤٤.
[٣] الوسائل ٤: ٣١٤، ب ١٠ من القبلة، ح ١.
[٤] الوسائل ٤: ٣٠٦، ب ٥ من القبلة، ح ١.
[٥] المدارك ٣: ١٢١.
[٦] الحدائق ٦: ٣٨٧.
[٧] البقرة: ٢٢.
[٨] النبأ: ٦.
[٩] الغاشية: ٢٠.