جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٨٨ - طرق حصول العلم بجهة القبلة
[و أنّ الأصحّ تقديم الاجتهاد على الأربع]. نعم، يقدّم عليه بحسب الظاهر شهادة العدلين (١).
[و أمّا خبر العدل فيمكن إنكار رجحانه على الاجتهاد]، ف (- إذا اجتهد فأخبره غيره بخلاف اجتهاده قيل:
يعمل على اجتهاده، و يقوى عندي أنّه إذا كان ذلك المخبر أوثق في نفسه عوّل عليه) و إلّا فلا (٢).
(١) و في جامع المقاصد: «يلوح من عبارة شيخنا الشهيد في قواعده عدم الخلاف في الرجوع إليها. و فيه قوّة؛ لأنّها حجّة شرعيّة» [١]. قلت: لكن بين ما دلّ على اعتبارها و بين ما دلّ على وجوب الاجتهاد مع انتفاء العلم تعارض العموم من وجه. اللّهمّ إلّا أن ترجّح بالاكتفاء بها في كثير ممّا اعتبر فيه العلم. و أمّا خبر العدل فإنّه و إن كان التعارض فيهما [دليل اعتباره و دليل وجوب الاجتهاد] كذلك [العموم من وجه] إلّا أنّه يمكن إنكار رجحانه في المقام، الظاهر من الأصحاب عدم الالتفات إليه إلّا من حيث كونه أمارة اجتهاديّة في وجه. لكن في كشف اللثام: «لم أرَ من اشترط التعدّد، فهو خبر، أي يكتفى فيه بما يكتفى به في الأحكام الشرعيّة، و إلّا فكلّ خبر شهادة، لكن خصّ ما فيه زيادة تحقيق و تدقيق للنظر باسم الشهادة، فلمّا كان اللّٰه لطيفاً بعباده حكم في حقوقهم بشاهدين فصاعداً، و اكتفى في حقوقه و أحكامه بالرواية، و هذا منها» [٢]، و ظاهره الاكتفاء به. و قد تقدم سابقاً في إخبار العدل و العدلين بالنجاسة و الوقت ما له نفع في أصل المسألة، فلاحظ و تأمّل.
(و) ممّا يشهد لما ذكرنا من عدم التفات الأصحاب إلى خبر العدل قول المصنّف [ذلك].
(٢) ضرورة شموله لإخبار العدل عن يقين و حسّ، بل لعلّ ظاهر الإخبار ما لا يشمل الخبر عن الاجتهاد، و ما قوي عند المصنّف ليس عملًا بالخبر من حيث كونه خبراً، بل لأنّه اجتهاد رافع للاجتهاد الأوّل، و لذا لم يفرّق بين العدل و غيره. بل لم أجد بعد التتبّع قولًا لأحد من معتمدي الأصحاب بالعمل بخبر العدل من حيث إنّه حجّة شرعيّة، نعم أرسله في جامع المقاصد عن بعضهم و لم أعرفه، فقال: «قيل بالاكتفاء بشهادة العدل المخبر عن يقين في ذلك، و في الوقت، و هو ضعيف؛ لأنّه مخاطب بالاجتهاد فيهما، و لم يثبت الاكتفاء بذلك» ٣، بل قد يظهر من القيل في عبارة المصنّف و غيرها عدم اعتبار الخبر هنا مطلقاً و إن كان الظنّ به أقوى:
إمّا لأنّ الرجوع إلى الغير نوع من التقليد، و هو غير جائز للقادر على الاجتهاد، و إمّا لأنّ ظاهر التحرّي و اجتهاد الرأي ما لا يشمل الظنّ الناشئ من إخبار الغير، سواء كان عن اجتهاد أو حسّ. بل لعلّه هو مقتضى إطلاق قول الفاضل: «و لو تعارض الاجتهاد و إخبار العارف رجع إلى الاجتهاد» ٤، بل عن كشف الالتباس: أنّ ظاهر المصنّفات ذلك في المخبر عن حسّ فضلًا عن غيره [٥]. بل كاد يكون صريح المسالك أيضاً، حيث إنّه بعد أن ذكر أنّ وجه القوّة التي أشار إليها المصنف رجحان خبر الغير في نفسه فيكون المصير إليه أولى من الطرف المرجوح، قال: «و يضعّف بأنّ الرجوع إلى الغير تقليد لا يجوز المصير إليه مع إمكان الاجتهاد، نعم لو كان المخبر عدلين عن علم اتّجه تقديمهما على اجتهاده» [٦]، و في الذكرى: «و لو اجتهد و اخبر بخلافه أمكن العمل بأقوى الظنّين؛ لأنّه راجح، و هو قريب، و وجه المنع أنّه ليس من أهل التقليد» ٧. و به علّل في جامع المقاصد عبارة الفاضل المزبورة، ثمّ قال: «و في الذكرى أنّ رجوعه إلى أقوى الظنّين قريب؛ لأنّه راجح، و الأصحّ المنع إلّا أن ينضمّ إلى الإخبار مرجّحات اخر، فيكون التعويل على الاجتهاد لا على الإخبار، و لا فرق في ذلك بين كون المخبر قاطعاً بالقبلة أو مجتهداً، سواء العدل و غيره، و الوقت كالقبلة في ذلك» ٨. و ظاهره عدم العمل به إن كان الرجحان منه لا غير. و هو غريب لم أعرف به قائلًا قبله.
[١] ١، ٣، ٨ جامع المقاصد ٢: ٧٠، ٦٩- ٧٠.
[٢] ٢، ٤ كشف اللثام ٣: ١٧٢. القواعد ١: ٢٥٣.
[٥] كشف الالتباس: الورقة ١٣٣.
[٦] ٦، ٧ المسالك ١: ١٧١. الذكرى ٣: ١٧١.