جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٤٥ - كيفية استقبال الكعبة
باستعمال الأمارات الهيئيّة (١)، فهي حينئذٍ بالنسبة إلينا لا تفيد إلّا الظنّ في حصول الجهة، بمعنى المقابلة المزبورة، و لعلّها كذلك لأهلها أيضاً (٢). نعم ربّما يحصل العلم للمتوغّل في معرفتها، الآمن على نفسه الخطأ في كيفيّة الاستعلام بها. كما أنّه ربّما يحصل العلم بالجهة المزبورة بفعل المعصوم، المعلوم تنزيهه عن الخطأ في تحصيل الجهة المذكورة (٣). لكنّ المراد العلم بحصول الجهة بالمعنى المذكور أي مقابلة البعيد للكعبة من غير اعتبار اتصال الخطوط (٤).
(١) لانحصار حصول الظنّ- الواجب مراعاته بعد انتفاء العلم بسبب الأمر بتحرّي القبلة على حسب الجهد و الطاقة- غالباً بها.
(٢) ضرورة توقّفها على إرصاد و إعمال لا يأمن الخطأ فيها مستعملها.
(٣) لما فيه من النقص المنفّر للطباع عنه كالتحيّر في تحصيل القبلة، و يكفي في النقص عليه معرفة خطئه في ذلك، و لو عند علماء الهيئة العارفين في تحصيل الجهة، و كيف يجوّز عاقل قصور سلطان الخلق عن معرفة بعض ما عند رعيّته؟ و ربّما أدّى ذلك إلى السخرية عليه و الاستخفاف به عند أهل الفنّ المزبور، خصوصاً إذا أخطأ بالاستدبار و نحوه. فمن الغريب تخيّل بعض الناس [١] جواز الخطأ عليه في ذلك و أنّه ممّن هو مكلّف باستعمال الأمارات الظنيّة كتكليفه بالحكم بالبيّنة و اليمين و الشاهد و غيرهما من الأحكام الظاهريّة؛ ضرورة وضوح الفرق بين ما كان خطأه فيه لقصور في معرفة العلم المؤدّي لذلك، و بين ما لا يكون كذلك، فإنّ النقص الواجب تنزيهه عنه متحقّق في الأوّل، بخلاف الثاني، فإنّه لا نقص عليه بذلك حتى لو علم بالعلم الإلهي الخارج عن طريق البشر خلاف ما حكم به، فإنّ الظاهر عدم تكليفهم (عليهم السلام) بالعلم المزبور، كما يشهد له تصفّح أفعالهم الواقعة منهم (عليهم السلام) كخروج الحسين (عليه السلام) إلى كربلاء و غيره ممّا يجب عليهم التحرّز منه لو أنّهم مكلّفون بالعلم المزبور؛ لما ثبت متواتراً [٢] أنّهم كانوا عالمين بجميع ما وقع عليهم قبل وقوعه، لكنّه بالطريق الإلهي الخارج عن مقتضى الطاقة البشريّة التي هي مدار التكاليف. و بالجملة: لا ريب في حصول النقص بالخطإ المذكور. و لعلّه من هنا ذكر غير واحد من الأصحاب أنّ محراب المعصوم (عليه السلام)- الثابت نصبه منه، أو صلاته فيه من غير انحراف مثلًا بالتواتر و نحوه- ممّا يفيد العلم. بل أرسله [الأصحاب] إرسال المسلّمات، و هو كذلك؛ لما عرفت.
(٤) ضرورة عدم التكليف بذلك بنصّ الآية و الرواية، و ليس هو من الأحكام العذريّة، بل بناء التكليف من أوّل الأمر على ذلك، فلا بأس بصلاة المعصوم (عليه السلام) في أمكنة متعدّدة متساوية في الخطّ أوسع من عرض الكعبة، بحيث يقطع بعدم اتصال الخطوط بها بعد حصول المقابلة المزبورة. و ما ورد [٣] في محراب المدينة من أنّه زويت له (صلى الله عليه و آله و سلم) الأرض حتى نصبه بإزاء الميزاب- مع إمكان حمله كما في جامع المقاصد [٤] على إرادة المقابلة المزبورة لا المحاذاة المعتبر فيها اتصال الخطوط- غايته علمه (صلى الله عليه و آله و سلم) بالعين، و لا يدلّ على وجوب توجّهه [(صلى الله عليه و آله و سلم)] إليها فضلًا عن غيره. فما في القواعد من «أنّ المصلّي بالمدينة ينزّل محراب رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) في مسجدها منزلة الكعبة» [٥] لا يريد به وجوب استقباله حيث يشاهد، و بطلان صلاة من لم يحاذه؛ لفساده ضرورة، بل بمعنى أنّه دليل قطعي على حصول مقابلة الكعبة بالمعنى المذكور، بحيث لا يجوز فيه الاجتهاد يميناً و شمالًا، كباقي المحاريب المنصوبة بالأمارات الهيئيّة المحتمل تطرّق الخطأ إليها.
[١] كشف الغطاء ٣: ١١٤.
[٢] انظر الكافي ١: ٢٦٠.
[٣] وفاء الوفاء باخبار دار المصطفى ١: ٣٦٥- ٣٦٦. البحار ٨٤: ٥٤، ذيل الحديث ٦.
[٤] جامع المقاصد ٢: ٥٢.
[٥] القواعد ١: ٢٥١.