جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٤٤ - كيفية استقبال الكعبة
[و] لا ريب في توقّف صدق الاستقبال للشيء عرفاً على حصول المقابلة له من المستقبِل، و إلّا لم يكن مستقبِلًا له قطعاً، و الظاهر اعتبار ذلك فيما نحن فيه أيضاً من غير فرق بين القريب و البعيد في ذلك.
نعم لا يعتبر في الصدق المزبور وقوع خطّ المستقبِل حال استقباله على المستقبَل- بالفتح- مطلقاً (١).
و من أراد معرفة ذلك فليعتبر بالأنجم و النقط الموهومة لقطب الجنوب و الشمال و بغيرها من الأجرام التي تشاهد من بعد، و يصدق استقبالها على الأشخاص الكثيرة القائمة على خطّ مستوٍ زائد على عرضها أضعافاً مضاعفة، فإنّ اتصال جميع الخطوط به حينئذٍ محال، كما هو واضح (٢). و من ذلك ينقدح أنّ من بعد عن الكعبة بعداً لا تغيب عن مشاهدته لا يعتبر في استقباله العلم باتصال خطّ موقفه بها (٣).
فمن كان قريباً منها بحيث ينتفي عنه اسم الاستقبال بمجرّد عدم اتصال خطّ موقفه بها وجب عليه مراعاة الاتصال المزبور، و من لم يكن كذلك، بل كان يصدق عليه أنّه مستقبل لها و إن لم يعلم اتّصال خطّ موقفه، بل و إن علم العدم لم يعتبر فيه ذلك (٤).
نعم لمّا كان البعيد بسبب زيادة البعد و غيبوبة المستقبل عن المشاهدة لم يكن له طريق إلى إحراز هذه المقابلة- أي مقابلة البعيد من حيث كونها مقابلة بعيد، التي قد عرفت عدم اعتبار اتصال الخطوط فيها- إلّا
(١) ضرورة تحقّقه عرفاً في المشاهد من الأجرام من بُعد و إن قطعنا بعدم اتّصال جميع الخطوط بها.
(٢) و لقد أومأ إلى ذلك ما سمعته [١] من الذكرى تبعاً للمحكي عن نهاية الإحكام من «أنّ الجرم الصغير كلّما ازداد بعداً ازداد محاذاة» [٢]؛ ضرورة عدم إرادة ذات اتصال الخطوط من المحاذاة.
(٣) و لا ينافيه تسالم الأصحاب على وجوب استقبال العين للمشاهد أو القريب؛ إذ الظاهر أنّ مدارهم في ذلك على الصدق المزبور، من غير مدخليّة للمشاهدة و القرب النسبي و عدمهما.
(٤) ضرورة أنّه ليس في الأدلّة إلّا الأمر بالاستقبال الذي قد فرض صدقه، فالمشاهدة و عدمها لا مدخلية لها قطعاً. و دعوى أنّه ليس صدقاً حقيقيّاً، بل هو مسامحة عرفيّة يكذّبها الوجدان و العمل، كدعوى أنّ ذلك مسلّم مع المشاهدة للجرم من بُعد.
أمّا مع غيبوبته عن البصر بسبب زيادة البعد فلا مقابلة صوريّة يتحقّق بها صدق الاستقبال عرفاً؛ إذ من الواضح أنّ المقابلة المزبورة ليست وهميّة محضة تحصل بسبب الإبصار و اتصال شعاع البصر، بل هي شيء متحقّق في نفس الأمر يحصل تصوّره مع فرض قطع النظر عن الإبصار أصلًا، فيكفي في الصدق عرفاً تقدير الإبصار، بمعنى أنّها تصدق المقابلة بمجرّد فرض فضاء الكعبة المتصل إلى عنان السماء ممّا يرى و يشاهد، كما هو واضح بأدنى تأمّل.
بل ربّما ادعي إمكان مشاهدته من جهة علوّه و ارتفاعه و اتصاله بعنان السماء، إلّا أنّه لا يشخّص لاشتباهه في غيره فوضعت هذه العلامات لتمييزه من بينها و لو على جهة الظنّ، فهو حينئذٍ كالمشاهد المستقبل من بعد و إن كان فيها ما فيها.
و على كلّ حال فليس المدار حينئذٍ في القريب و البعيد إلّا استقبال الكعبة التي لم يقبل اللّٰه من أحدٍ توجّهاً إلى غيرها.
[١] تقدّم في ص ٢٣٨.
[٢] نهاية الإحكام ١: ٣٩٣.