جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٩٨ - حكم العامي في تعرّف القبلة
بل لو قلنا بعدم وجوب معرفة القبلة عيناً بل هو من فروض الكفاية (١) لم يكن تقصير منه بترك التعلّم مع وجود القائم بقدر الكفاية (٢). [و لعلّ الأقوى في النظر الوجوب العيني لمعرفة القبلة]، لكن لا على الاجتهاد المستلزم للعسر و الحرج (٣). نعم، الظاهر عدم وجوب ذلك قبل تحقّق الخطاب بالصلاة (٤).
(١) كما احتمله في الذكرى.
(٢) قال في الذكرى: «و يحتمل كون ذلك من فروض الكفاية كالعلم بالأحكام الشرعيّة»، يعني كما أنّ معرفتها واجبة و يكفي التقليد، و إنّما يجب الاجتهاد فيها كفايةً إجماعاً؛ لانتفاء الحرج و العسر في الدين قال: «و لندور الاحتياج إلى مراعاة العلامات، فلا يكلّف آحاد الناس بها. و لأنّه لم ينقل عن النبيّ و الأئمّة بعده عليهم الصلاة و السلام إلزام آحاد الناس بذلك» ثمّ قال: «فإن قلنا بأنّه من فروض الكفاية فللعامّي أن يقلّد كالمكفوف و لا قضاء عليه» [١]. لكن قد يناقش أوّلًا بأنّ التكليف بالصلاة المشترط فيها الاستقبال يقتضي وجوب تحصيل الشرط عيناً، و لا يخرج عنه إلّا بدليل. و ثانياً بأنّه لا تلازم بين كون ذلك من فروض الكفاية و بين الرجوع إلى الغير في جهة القبلة؛ إذ لعلّه يجب عليه السؤال عن أمارات القبلة ثمّ العمل عليها و إن لم يكن يعرف أنّها أمارات، و لعلّ ذلك هو الأقوى في النظر بمعنى الوجوب العيني.
(٣) فإنّ الظاهر مشروعيّة التقليد للعامّي في الحكم الشرعي و في الموضوعات و مصاديقها النظريّة المحتاجة إلى بحث و ترجيح لا يصلح له إلّا الأوحدي من الناس.
(٤) إذ هو من المقدمات التي لا تجب قبل وجوب ذيها، و لعلّه إليه أومأ في الذكرى بقوله: «و يحتمل قويّاً وجوب تعلّم الأمارات عند عروض حاجته إليها عيناً بخلاف ما قبله؛ لأنّ توقّع ذلك و إن كان حاصلًا لكنّه نادر»، إلّا أنّه قال بعد ذلك: «يكفي في الحاجة إرادة السفر عن بلده» ٢. و فيه ما لا يخفى. كما أنّ قوله- قبل هذا الاحتمال و احتمال الكفاية-: «الأقرب أنّه- أي وجوب تعلّم القبلة- من فروض الأعيان؛ لتوقّف صحّة فرض العين عليه، فهو كباقي شرائط الصلاة، سواء كان يريد السفر أو لا؛ لأنّ الحاجة إليه قد تعرض بمجرّد مفارقة الوطن» ٣ لا يخلو من نظر أيضاً. فالتحقيق حينئذٍ أنّه من فروض الأعيان لكن لا على جهة الاجتهاد، بل يكفي للعامّي قول المجتهد: ضع الجدي على منكبك الأيمن في العراق مثلًا، و لا يجب عليه معرفة الدليل على كفاية ذلك من الإجماع أو الخبر أو البرهان الرياضي أو غيرها، و أنّه لا يجب تطلّب ذلك إلّا عند الخطاب بالواجب المتوقّف وجوده عليه، كغيرها من الشرائط و الواجبات. و من هذا و غيره ممّا تقدم يظهر لك ما في كشف اللثام حيث إنّه بعد أن ذكر وجوب التعلّم على القابل له، فارقاً بينه و بين الأحكام الشرعيّة بما في تعلّمها من المشقّة و طول الزمان بخلاف أدلّة القبلة، قال: «لا يقال: إنّما يسهل تعرّف الجدي مثلًا و أنّ من وقف بحيث حاذى منكبه الأيمن كان مستقبلًا، و معرفة مجرّد ذلك تقليد، و أمّا دليل كونه مستقبلًا إذا حاذى منكبه الأيمن فهو إمّا الإجماع أو الخبر أو البرهان الرياضي فهو كسائر أدلّة سائر الأحكام، مع أنّ النصّ إنّما ورد بالجدي على وجهين، و ما بين المشرق و المغرب كما مرّ، و هو مع ضعف الطرق مخصوص ببعض الآفاق و لا إجماع على سائر العلامات، و إنّما استنبطت بالبراهين الرياضيّة، لأنّا نقول: يكفي في الدليل مشاهدة المسلمين في بلدة متّفقين على الصلاة إلى جهة؛ إذ يكفي العامّي حينئذٍ أن يريه معلّمه الجدي أو سائر العلامات بحيث يحصل له العلم، نعم لا تكفيه إذا سافر إلى ما يقابل جهة قبلة تلك الجهة أو ينحرف عنها، فإن تيسّر له معرفة الانحراف أو المقابلة بجهة مسير و ما يشاهده من الامور السماويّة سهل عليه
[١] ١، ٢، ٣ الذكرى ٣: ١٧٤.