جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٠٠ - حكم العامي في تعرّف القبلة
..........
قيل: و نحو هذه العبارة في المهذّب و الجامع [١].
و لعلّ الشيخ فرّق بين الإخبار و التقليد، فيكون حينئذٍ من أهل القول الأوّل، أو يفرّق بين من اشتبه عليه الأمر للتعارض، و بين من فقد الأمارات أصلًا.
و كيف كان فلا ريب أنّ الأقوى ما قلناه. و العجب ممّن جعل إخبار الغير أو رأيه من بعض أمارات الاجتهاد، و ربّما قدّما على غيرهما إذا فرض قوّة الظنّ فيهما، و رجّح هنا عدم الرجوع إليهما مع فرض انحصار الطريق فيهما، مع أنّهما ليسا في هذا الحال إلّا كتحصيل بعض الأمارات غيرهما و فقد الباقي أو تعارضه، فإنّه لا ريب في الرجوع إلى تلك الأمارة؛ لأنّ الظنّ الناشئ منها حينئذٍ هو التحرّي و غاية الجهد في تعمّد القبلة.
نعم، يحسن ذلك ممّن منع من كونهما من التحرّي و بذل الجهد مطلقاً، و لعلّه إلى هذا أو ما يقرب منه أومأ في المحكيّ عن المختلف بالاستدلال على رجوعهما للغير:
١- بأنّه «مع الاشتباه كالعامّي؛ إذ لا طريق إلى الاجتهاد، فيتعيّن إمّا التقليد و إمّا الصلاة أربعاً و الرجوع إلى العدل أولى؛ لأنّه يفيد الظنّ، و العمل بالظنّ واجب في الشرعيّات» [٢].
٢- و بأنّه «إن وجب الرجوع إلى قول العدل مع ضيق الوقت وجب مع سعته؛ لأنّه إذا كان حجّة مع الضيق كان حجّة مع السعة» [٣]، و إن كان فيه ما فيه، خصوصاً الثاني.
لكن و مع ذلك فالاحتياط لا ينبغي تركه، و هو إنّما يحصل بإضافة الثلاثة إلى الجهة التي أخبر بها الغير، بل ربّما أوجب ذلك بعضهم؛ تحصيلًا ليقين البراءة، كما أنّه أوجب الصلاة إلى الجهة المزبورة عند ضيق الوقت لذلك، و للتخلّص من ترجيح المرجوح.
و هو جيّد لو قلنا بوجوب هذا الاحتياط، خصوصاً بعد أن كان الظاهر من النصوص عندنا ما عرفت.
و لا يعارضه ما في الذكرى من «أنّ القدرة على أصل الاجتهاد حاصلة، و العارض سريع الزوال» [٤]؛ إذ هو:
١- مع أنّه اعتبار، و إنّما يفيد التأخير إلى زوال العارض.
٢- لا يصلح معارضاً؛ لأنّ هذا الرجوع عندنا من الاجتهاد، و إطلاق اسم التقليد عليه لضرب من المجاز كما قدّمناه سابقاً، فتأمّل جيّداً؛ فإنّ هذه المسائل لا تخلو من تشويش و اضطراب في كلام الأصحاب كما أومأنا إليه سابقاً، بل هو لا يخفى على كلّ ناظر متأمّل، خصوصاً في أدلّتهم بآية النبأ و نحوها المقتضية للاقتصار على خصوص إخبار العدل، مع أنّك قد عرفت البحث فيه سابقاً، و أنّه ربّما قيل بحجّيته في نفسه، و أنّه لا اجتهاد حينئذٍ مع حصوله.
نعم، يدخل في البحث بناءً على عدم حجّيته هنا، فهو كظنّ العدل، بل و ظنّ غيره؛ إذ المدار على حصول الظنّ للمكلّف.
[١] كشف اللثام ٣: ١٧١.
[٢] المختلف ٢: ٧١.
[٣] المصدر السابق: ٦٦.
[٤] الذكرى ٣: ١٧٢.