جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٩٥ - حكم الأعمى في تعرّف القبلة
..........
الأفضل، فإن تساويا قلّد من شاء منهما كما في المنتهى و نهاية الإحكام، و في الأخير احتمال وجوب الأربع و اثنتين» [١]. إلى غير ذلك من الأحكام المذكورة التي علمت سقوطها بناءً على ما ذكرنا؛ ضرورة كون المدار فيه على الظنّ المندرج به تحت التحرّي و تعمّد القبلة بحسب جهده من غير تقييد بظنّ مخصوص، كما سمعته سابقاً فيمن فرضه الاجتهاد، بل هذا قسم منه. فلا فرق حينئذٍ بين العدل و الفاسق و الذكر و الانثى و الصبي و البالغ و الفاضل و المفضول و العدل و الأعدل و غيرها، بل يدور مدار الظنّ و احتمال إرادة الأصحاب بيان أسباب الظنّ. و أماراته لا التخصيص و الاشتراط- مع أنّه لا يلائم جملة من كلماتهم و أدلّتهم- يدفعه: أنّه لا يناسب الفقيه التعرّض له؛ لاختلافه بحسب المقامات أشدّ اختلاف. اللّهمّ إلّا أن يريدوا الغالب، لكن لا يلائم اشتراط العدالة ممّن عرفت. و كذا احتمال إرادة التعبّد بهذه الأمارات بمعنى كون العبرة خصوص ظنّ خبر العدل مثلًا لا مطلق الظنّ؛ إذ قد عرفت أنّها تهجّسات بلا مستند. و لو سلّمنا لهم كون الدليل للأعمى نصوص توجيه الغير لا خبري التحرّي و الاجتهاد و قلنا بشمولها للمجتهد و المخبر كان المتّجه العمل حينئذٍ بمطلق الغير، من غير اشتراط لعدالة و أفضليّة. اللّهمّ إلّا أن يكون ذلك ترجيحاً لما دلّ على اشتراط العدالة في المخبر؛ لكون التعارض بينهما من وجه. و لا يرد أنّه يتمّ في المخبر عن علم لا عن اجتهاد؛ للاحتياج إلى العدالة أيضاً في ثبوت اجتهاده، فإنّه لا طريق غالباً إليه إلّا إخباره. نعم، يرد عليه أنّ مقتضى ذلك عدم قبول خبر غير العدل أصلًا و إن لم يوجد العدل كما هو خيرة من سمعت. اللّهمّ إلّا أن يستند حينئذٍ إلى إطلاق الغير، أو إلى قاعدة فتح الظنّ هنا بعد تعذّر العلم أو ما يقوم مقامه. لكنّهما هنا معاً محلّ للنظر؛ ضرورة عدم بقاء الإطلاق بعد ترجيح ما دلّ على اشتراط العدالة و تقييده به، و أنّ القاعدة الرجوع إلى العلم الإجمالي بعد انتفاء التفصيلي لا الظنّ.
نعم، إن سلّم ذلك فهو بعد تعذّر الإجمالي أيضاً لعسر و نحوه، و علم بقاء التكليف أو ظنّه و لو باستصحابه في وجه، بناءً على عدم شرطيّة التكليف بالعلم، و إنّما هو طريق للعلم بالامتثال، فبعد فرض انتفائه يخلفه الظنّ:
١- لقبح التكليف بما لا يطاق.
٢- و الإجماع المحكي على هذه القاعدة. على أنّ ذلك كلّه لا يصحّح لهم ما سمعته في فرض تعدّد المجتهد الذي هو ظاهر في معاملته لهم معاملة المقلّد في الأحكام الشرعيّة، و في أنّ البناء على الظنّ مع التعارض، أو على التعبّد بما من شأنه حصول الظنّ، فلا يقدح حينئذٍ ظن إصابة المفضول في الرجوع إلى الأفضل كما سمعته من المنتهى. و على المعاملة المزبورة بني التخيير له في صورة المساواة، و إلّا فهو غير ظانّ بقول كلّ واحد منهما. نعم يظنّ عدم خروج القبلة عنهما، و المرجع له بعد تعذّر العلم الظنّ الخصوصي لا الإجمالي. و لعلّه من هنا احتمل في النهاية [٢] وجوب الأربع عليه، و سقوط اعتبار هذا الظنّ الإجمالي. كما أنّ احتمال الاثنتين مبنيّ على انحصار تكليفه الظاهري بإحدى هاتين الجهتين، و لا ترجيح كما هو الفرض، فهو كمن علم كون القبلة في إحدى الجهتين.
و أمّا احتمال التخيير فلإطلاق الغير، و لا يتوهّم اختصاص هذه الوجوه الثلاثة بناءً على التقليد، بل لو قلنا بأنّ ذلك له لأنّه أمارة اجتهاد تجري أيضاً، بل تجري في المجتهد غير الأعمى أيضاً.
لكنّك خبير في أنّ التحقيق سقوط كثير من هذه الكلمات، و أنّها جميعاً لا تجتمع على أمر صحيح.
[١] كشف اللثام ٣: ١٦٧.
[٢] نهاية الإحكام ١: ٣٩٧.