جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٩٩ - حكم العامي في تعرّف القبلة
نعم، الظاهر أنّه ليس له الرجوع إلى الأمارات الهيئيّة بظنّه قبل تقليد مجتهده في جواز الرجوع إليها، أو في أنّ المدار على الظنّ حال عدم التمكّن من العلم من غير تخصيص بأسبابه، فتأمّل جيّداً، و اللّٰه أعلم (١).
التعلّم، و إلّا كان من القبيل الأوّل» [١] أي ممّن لا يعرف إذا عرّف. و فيه: أنّك قد عرفت وجوب التقليد عليه في ذلك كالأحكام، و إلّا فلا يجديه صلاة المسلمين المعلوم أنّهم مقلّدة أيضاً، على أنّه قد لا يعرف صلاة المسلمين إلى جهة تلك العلامة التي أخذها من مجتهده؛ لعدم استعماله إيّاها إلّا وقت الحاجة مثلًا.
(١) و كيف كان، فلا ريب في صحّة صلاة غير المتعلّم إلى القبلة المعلومة له بصلاة المسلمين و نحوها حتى على القول بوجوبه المضيّق، بناءً على التحقيق من عدم اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه الخاصّ. و كذا لو قصّر عن التعلّم حتى ضاق الوقت فقلّد أو صلّى إلى أربع جهات: ١- لعدم سقوط الصلاة بحال. ٢- و لاقتضاء دليل التحرّي و الاجتهاد و الصلاة إلى أربع جهات شموله؛ إذ تحرّيه و اجتهاد رأيه إنّما هو منحصر في الرجوع للغير، و كأنّه لا خلاف فيه بين أصحابنا فيما أجد إلّا من خالف في الأعمى، و العامّي الذي إذا عرّف لا يعرف، بل و لا حكاه أحد ممّن عادته التعرّض لذلك. و احتمال أنّه كفاقد الأمارات أو متعارضها ليس بأولى من احتمال كونه كالأعمى و العامّي الذي إذا عرّف لا يعرف، بل هو أولى؛ إذ قابليّة التعلّم مع عدم تأثيرها كالعدم؛ فهو في هذا الحال كالأعمى، على أنّك قد عرفت اقتضاء الدليل ذلك من غير مدخليّة لهذه الاعتبارات، بل التحقيق ذلك فيهما أيضاً؛ إذ قد عرفت أنّ الرجوع إلى الغير إحدى أمارات الاجتهاد، فمع فرض عدم غيره أو تعارضه يتعيّن الرجوع إليه؛ لأنّه من التحرّي و من اجتهاد الرأي و تعمّد القبلة بحسب الجهد كما أوضحناه سابقاً، من غير فرق بين الإخبار أو الظنّ مع فرض حصول الظنّ منه للمكلّف.
خلافاً لجماعة منهم الشهيد و المحقّق الثاني و الفاضل الاصبهاني [٢]، بل الأكثر كما قيل [٣]، فأوجبوا عليهما الصلاة إلى أربع، بل في جامع المقاصد: «أنّه ظاهر الأصحاب»، بل عنه في شرح الألفيّة: «أنّه لم يقل بالتقليد أحد» [٤].
قلت:
١- مع أنّ المتّبع الدليل و قد عرفته.
٢- قد قيل: إنّه خيرة المختلف و المنتهى و البيان و الألفيّة و ظاهر الكتاب و اللمعة و الدروس و بعض عبارات القواعد [٥]، بل و موضع من المبسوط، قال فيه: «متى فقد أمارات القبلة أو يكون ممّن لا يحسن ذلك، و أخبره عدل مسلم بكون القبلة في جهة بعينها، جاز له الرجوع إليه» [٦]. لكن قال فيه أيضاً: «متى كان الإنسان عالماً بدليل القبلة غير أنّه اشتبه عليه الأمر لم يجز له أن يقلّد غيره في الرجوع إلى إحدى الجهات؛ لأنّه لا دليل عليه، بل يصلّي إلى أربع جهات مع الاختيار، و مع الضرورة إلى أيّ جهة شاء، و إن قلّده في حال الضرورة جازت صلاته؛ لأنّ الجهة التي قلّده فيها هو مخيّر في الصلاة إليها و إلى غيرها» ٧.
[١] كشف اللثام ٣: ١٦٨.
[٢] الذكرى ٣: ١٧٢. جامع المقاصد ٢: ٧١. كشف اللثام ٣: ١٧٢.
[٣] المسالك ١: ١٥٧.
[٤] نقله في مفتاح الكرامة ٢: ١١٤.
[٥] مفتاح الكرامة ٢: ١١٤.
[٦] ٦، ٧ المبسوط ١: ٧٩، ٨٠.