جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٢٦ - الاستقبال في النوافل
..........
التنافي بين الوجوب المزبور و الندب عقلًا و لا شرعاً.
قال في جامع المقاصد- بعد ذكره ذلك دليلًا للخصم و جوابه-: «إنّ الوجوب هنا يراد به أحد الأمرين: إمّا كونه شرطاً للشرعية مجازاً؛ لمشاركته الواجب في كونه لا بدّ منه، فمع المخالفة يأثم بفعل النافلة إلى غير القبلة. أو كون وجوبه مشروطاً بمعنى أنّه إن فعل النافلة وجب فعلها إلى القبلة، فمع المخالفة يأثم بترك الاستقبال و بفعلها إلى غير القبلة معاً. و هذا المعنى يثبت على تقدير دلالة قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «صلّوا كما رأيتموني اصلّي» على وجوب الاستقبال، و إلّا فالمعنى الأوّل» [١].
و في بعض كلامه نوع تأمّل، لكنّ الأمر سهل بعد ما عرفت. و قد يستدلّ أيضاً بعموم قوله تعالى: (وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)* [٢] الذي لا ينافيه خروج البعض للدليل.
نعم قد يشكل بظهور قول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيح زرارة في أنّها مختصّة بالفريضة، قال: «استقبل القبلة بوجهك، و لا تقلّب وجهك عن القبلة فتفسد صلاتك، فإنّ اللّٰه عزّ و جلّ يقول لنبيّه (صلى الله عليه و آله و سلم) في الفريضة: (فَوَلِّ وَجْهَكَ)* إلى آخره» [٣].
بل الظاهر أيضاً عدم الدلالة في الأمر بالاستقبال و النهي عن القلب في صدره؛ لإرادة الفريضة من الصلاة فيه بقرينة الاستدلال، و إمكان عموم الدعوى و خصوص الدليل تجشّم.
كما أنّه قد يقال بإرادة الفريضة من قوله (عليه السلام) في صحيحه [زرارة] أيضاً: «لا صلاة إلّا إلى القبلة»؛ لقوله فيه: قلت: فمن صلّى لغير القبلة أو في يوم غيم في غير الوقت؟ قال: «يعيد» [٤].
لكن الإنصاف أنّه لا صلاحية فيه- خصوصاً بعد كونه من السائل- لصرف الظهور المستفاد من النكرة بعد «لا» النافية للجنس التي هي كالنصّ في إفادة العموم، فدلالة هذا الصحيح على المطلوب لا ينبغي إنكارها. بل يمكن دعوى دلالة قوله (عليه السلام) أيضاً في صحيحه أيضاً: «لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود» [٥].
و ذكر الوقت فيه- مع أنّ من النوافل ما هو موقّت أيضاً بحيث لو صلّى قبل الوقت مثلًا اعيد- لا يصلح قرينة لإرادة الفريضة؛ ضرورة كون المراد منه حينئذٍ: و الوقت فيما اعتبر الوقت فيه من الصلاة، و لا يأتي مثله في القبلة؛ لعدم معلوميّة كون محل النزاع ممّا لا يعتبر فيه القبلة من الصلاة.
بل من ذلك يظهر دلالة جملة من النصوص التي استدلّ بها على اشتراط القبلة في الفريضة، و على أنّ الالتفات في الأثناء يبطلها؛ للتعبير بلفظ الصلاة الشاملة للنافلة- لا الفريضة- في أكثرها، و ذكر بعض خواص الفريضة فيها كالوقت و نحوه لا يصلح مقيّداً لذلك، فلاحظ و تأمّل.
بل مفهوم قول الصادق (عليه السلام) كما عن تفسير عليّ بن إبراهيم، في قوله تعالى: (فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ): «إنّها نزلت
[١] جامع المقاصد ٢: ٦٠.
[٢] البقرة: ١٤٤، ١٥٠.
[٣] الوسائل ٤: ٣١٢، ب ٩ من القبلة، ح ٣.
[٤] المصدر السابق: ح ٢.
[٥] المصدر السابق: ح ١.