جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١١ - الصلاة شرعاً
[الصلاة شرعاً]:
و أمّا شرعاً فقد ذكروا لها تعريفات متعدّدة لا فائدة في التعرّض لها (١). و إن أبيت إلّا التعريف فالأولى تعريفها بأنّها العبادة التي اعتبر الشارع في افتتاحها التكبير أو بدله، و اختتامها التسليم أو بدله، و إن كنت لا أضمن عدم ورود شيء عليه. و على كلّ حال، فهي بهذا المعنى أمر شرعي لا مدخليّة للّغة فيه، و أنّى و أهل اللغة و هذا المعنى! إنّما البحث في أنّها حقيقة شرعيّة أو مجاز، و قد فرغنا من ذلك في الاصول و ذكرنا أنّ الحقّ الأوّل (٢).
(١) و لقد أجاد في المدارك حيث قال: «هي أشهر من أن يتوقّف معناها على التعريف اللفظي» [١]، و هو كذلك.
على أنّه لا يكاد يسلم شيء منها عن نقض في طرده أو عكسه، أو اشتماله على ما يخرجه عن قياس التعاريف، بل لعلّ ذلك كالمتعسّر؛ باعتبار اختلاف أحوالها بالنسبة للمختار و المضطرّ و الصحيح و السقيم، فتارةً تكون أقوالًا محضة، و اخرى أفعالًا كذلك، و اخرى تجمعهما، و لكلّ من الأحوال الثلاثة أحوال أيضاً.
(٢) و ذِكرُ بعض أهل اللغة لهذا المعنى في سلك ما ذكر من المعاني لهذا اللفظ لا يقتضي الوضع له لغةً، بعد أن جرت عادتهم- أو الأكثر منهم- على عدم الاقتصار على ذكر الحقائق اللغويّة، بل يذكرون كلّ ما يستعمل فيه اللفظ و إن كان مجازاً. على أنّ من المحتمل كون ذكرهم لهذا المعنى- و إن كان هو حقيقة شرعيّة- باعتبار أنّ أهل الشرع من أهل اللغة أيضاً و من العرب الفصحاء، فحينئذٍ تندرج بهذا الاعتبار في الحقائق اللغويّة؛ إذ جعل خصوص الوضع عندهم حقيقة شرعيّة إنّما هو مجرّد اصطلاح حادث لا يجب جريان كتب اللغة عليه، خصوصاً إذا قلنا: إنّ لفظ الصلاة و الحج و نحوهما موضوعة لمعان شرعيّة قبل زمن شرعنا؛ ضرورة وجود الصلاة و الحج و غيرهما عند اليهود و النصارى و غيرهما من كفّار العرب، على وجه يسمّونه بهذه الأسماء في لغة العرب، كما أنّه يسمّونه بغيرها بالفارسيّة و نحوها، فهي حقائق في عباداتهم قبل زمن الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم)، و هو إنّما غيّر بعض أجزاء عباداتهم أو أكثرها، و ذلك لا يقتضي تغيّر الاستعمال بحسب الحقيقة، كما هو الشأن في المعاملات، و كأنّه مال إلى ذلك الاستاذ الأكبر فيما حكي من حاشيته على المدارك ٢. و فيه:- بعد تسليم قِدَم تسمية تلك العبادات بهذه الأسماء منهم، و أنّ لهم عبادات معتبرة لا أنّها مكاء و تصدية- أنّه لا يخفى على المطّلع عليهما كمال التباين بينهما، بحيث يقطع بعدم إرادة المعنى القديم منها في هذا الاستعمال، و بنقلها من ذلك المعنى إلى معنى جديد و إن اشتركا في أنّهما عبادة، كما هو واضح. كوضوح المناسبة بين المعنى الشرعي و المعنى اللغوي بناءً على أنّه الدعاء، أو ما ذكرناه من طلب الخير و إرادته و إن لم يكن بعنوان الدعاء؛ لاشتماله على كلٍّ منهما. و لو قيل: إنّه منقول منها بمعنى المتابعة اختصّت المناسبة حينئذٍ ببعض أفرادها، إلّا أن يلاحظ، أو يراد تتابع الأجزاء. و هو كما ترى. و أبعد منه ما قيل عن الجمهرة عن بعضهم: «إنّ اشتقاقها من رفع الصَّلا في السجود، و هو العظم الذي عليه الأليتان، فهي فعلة من بنات الواو» [٣]، و إن كان ربّما يؤيّده تعارف كتابتها به، إلّا أنّه قد يقال- كما عن البيضاوي-: «كتبت بالواو على لفظ المفخم» [٤]، أي من يميل الألف إلى مخرج الواو. و مثله في البُعد ما عن الجمهرة عن ذلك البعض: «إنّ اشتقاقها من صليت العود بالنار أي ليّنته؛ لأنّ المصلّي يلين قلبه و أعضاؤه مخشوعة، من بنات الياء»، بل في الذكرى نسبة ذلك و سابقه إلى أهل اللغة، قال: «جعلوها فعلة من صلّى أي حرّك صلويه؛ لأنّ المصلّي يفعل ذلك، أو من صليت العود، أي: ليّنته» [٥]. و لا يخفى عليك ما فيه، و أنّا في غنية عنه.
[١] ١، ٢ المدارك ٣: ٦. حاشية المدارك ١: ٢٨٧.
[٣] جامع المقاصد ٢: ٥- ٦.
[٤] تفسير البيضاوي ١: ١٨.
[٥] الذكرى ١: ٦٥.