جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٩٧ - حكم العامي في تعرّف القبلة
[و مثله جواز الرجوع إلى الغير للجاهل الذي يتمكّن من التعلّم أيضاً إذا ضاق الوقت عليه و لم يتعلّم و لو بتقصير منه].
ففرضه حينئذٍ عندنا الاجتهاد فيما يحصل له من الغير على حسب ما سمعته فيه مفصّلًا؛ لأنّ هذا هو المقدور من التحرّي و الاجتهاد بالنسبة إليه، فيندرج في قوله (عليه السلام): «يجزئ التحرّي» [١]، و في قوله (عليه السلام): «اجتهد رأيك» [٢] و غيرهما كالأعمى.
نعم قد يشكل إلحاقه بالأعمى- بعد حرمة القياس عندنا، خصوصاً مع الفارق بوجود حاسّة البصر و عدمه، بناءً على أنّ الرجوع إلى الغير فيه من التقليد الذي قد شرّعته النصوص فيه، و إلّا فليس من الاجتهاد و التحرّي- بأنّ النصوص [٣] خاصّة في الأعمى، فإلحاق غيره به قياس، و إن علّل بأنّ فقد البصيرة أعظم من فقد البصر، و نحوه ممّا لا يصيّره مقطوعاً به كي يكون من مفهوم الموافقة و نحوه من القياس القطعي، مع أنّا لا نجد في إلحاقه هنا خلافاً ممّن لم يخالف في الأعمى. نعم ذكر بعضهم فيه الأربع احتمالًا [٤]، سواء قلنا بها في الأعمى أو لا. و قيل: إنّ ظاهر الإرشاد اختصاص التقليد بالأعمى [٥]، و إلّا فالمعروف بين الأصحاب مساواته للأعمى في الرجوع، حتى حكي عن الشيخ في المبسوط ذلك، قال: «إنّ من لا يحسن أمارات القبلة إذا أخبره عدل مسلم بكون القبلة في جهة بعينها جاز له الرجوع إليه» [٦]، و نحوه المهذّب [٧]. و من هنا حُكم [٨] باختلاف قولي الشيخ في الكتابين، لكن لعلّه يريد في المبسوط الإخبار كما يومئ إليه الاستدلال من بعضهم [٩] بآية النبأ ١٠، و في الخلاف التقليد الذي قد عرفت تفسيره بما في الذكرى.
و كيف كان، فهذا كلّه ممّا يشهد لما ذكرنا من أنّ الرجوع للغير في الأعمى من حيث كونه تحرياً و اجتهاداً، فيشتركان حينئذٍ في الحكم المزبور؛ لاشتراكهما في شمول دليل الاجتهاد و إن انحصر طريق الاجتهاد لهما في إخبار الغير. و لعلّه إليه أومأ من استدلّ عليه بأنّ قول العدل إحدى الأمارات المفيدة للظنّ، فيجب العمل به مع فقد معارض أقوى. بل في المحكي عن المنتهى: «لا يقال:
إنّ له عن التقليد مندوحة، فلا يجوز له فعله؛ لأنّ الوقت إن كان واسعاً صلّى إلى أربع، و إن كان ضيّقاً تخيّر. لأنّا نقول: القول بالتخيير مع حصول الظن باطل؛ لأنّه ترك للراجح و عمل بالمرجوح» [١١].
و هو كالصريح فيما قلنا ممّا عرفته سابقاً، الذي منه يظهر بأدنى تأمّل جواز الرجوع للجاهل الذي يتمكّن من التعلّم أيضاً إذا ضاق الوقت عليه و لم يتعلّم و لو بتقصير منه، فإنّ ذلك تمام جهده في تلك الحال.
[١] الوسائل ٤: ٣٠٧، ب ٦ من القبلة، ح ١.
[٢] المصدر السابق ٤: ٣٠٨، ح ٢.
[٣] انظر الوسائل ٤: ٣١٠، ب ٧ من القبلة.
[٤] جامع المقاصد ٢: ٧١.
[٥] مفتاح الكرامة ٢: ١١٨.
[٦] المبسوط ١: ٧٩.
[٧] المهذب ١: ٨٦.
[٨] المعتبر ٢: ٧١.
[٩] ٩، ١٠ المختلف ٢: ٦٦. الحجرات: ٦.
[١١] المنتهى ٤: ١٧٥.