جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٢ - النوافل ركعتان
[بل هي حقيقة- و هذا هو المعنى الحقيقي الشرعي له- في الركعة الواحدة التي هي آخر صلاة الليل] (١).
(١) إنّما الكلام في تعيين المعنى الحقيقي للوتر شرعاً بحيث إذا اطلق يحمل عليه، و قد اختلف فيه أصحابنا و غيرهم- بعد الاتفاق من الجميع على نقله عن معناه الأصلي و وضعه للصلاة، و عدم خروجه من صلاة الليل- على أقوال: أحدها: و هو ظاهر الأكثر من علمائنا: أنّه حقيقة في الركعة الواحدة التي هي آخر صلاة الليل، بل عن جملة من كتبهم تحديد الوتر بها و تحديدها به، بل قد سمعت فيما تقدّم معقد صريح الإجماع و ظاهره من الصدوق و الشيخ و الفاضل و غيرهم ممّا هو صريح أو كالصريح في أنّه حقيقة عندهم في الركعة الواحدة.
و قد يشهد له: ١- مضافاً إلى ذلك. ٢- و إلى ما عرفته من الاستعمال في كثير من الأخبار قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «الوتر ركعة من آخر الليل» [١]. ٣- بل و قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «إنّ الوتر صلاة واحدة» [٢]، لكن بناءً على ما عندنا من أنّ الثلاث صلاتان؛ إذ لا يكون حينئذٍ وتراً إلّا باعتبار انضمام إحدى الصلاتين إلى الاخرى، و بهذا الاعتبار يمكن صيرورتها وتراً مع جميع الصلوات التي قبلها، بل صيرورة جميع الصلوات وتراً، و الظاهر من تسمية الوتر بهذا الاسم كونها وتراً بنفسها لا باعتبار أمر آخر، كما هو واضح.
نعم لو قلنا بمقالة أبي حنيفة و من تابعه- من أنّ الوتر ثلاث ركعات موصولة بتسليمة واحدة- أمكن حينئذٍ المناقشة في الاستدلال بالخبر المذكور، لكنّه في غاية الضعف عندنا؛ للنصوص السابقة و غيرها ممّا يمكن دعوى تواترها في ذلك، بل قد يقطع من لاحظها و ما اشتملت عليه- من الأمر بإيقاظ الراقد و نفي البأس عن الكلام و الشرب و قضاء الحاجة و النكاح و نحو ذلك بين الركعتين و الركعة، و كثرة السؤال عن ذلك- بأنّ المراد منها التعريض بأبي حنيفة و أصحابه القائلين بالوصل. بل يمكن أيضاً تحصيل الإجماع على خلافه، بل قد سمعت دعواه ممّن تقدّم. و ربّما يشهد له التتبّع؛ إذ لم نجد فيه خلافاً من أحد إلّا من بعض متأخّري المتأخّرين [٣]، فخيّر بين الفصل و الوصل جمعاً بين الأخبار السابقة و بين خبر كردويه الهمداني: سألت العبد الصالح (عليه السلام) عن الوتر؟
فقال: «صله» [٤] بشهادة: ١- خبر منصور عن مولى لأبي جعفر (عليه السلام) قال: «ركعتا الوتر إن شاء تكلّم بينهما و بين الثالثة و إن شاء لم يفعل» [٥]. ٢- و صحيحتي معاوية بن عمار و يعقوب بن شعيب: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التسليم في ركعتي الوتر؟
فقال (عليه السلام): «إن شئت سلّمت و إن شئت لم تسلّم» [٦]. و هو في غاية الضعف؛ ضرورة قصور الخبر الأوّل عن المقاومة لما تقدّم من وجوه، خصوصاً بعد موافقته لمذهب أبي حنيفة، و عدم صراحة الأمر بالوصل فيه في عدم التسليم على الركعتين، و الجمع فرع المكافأة. على أنّ خبر التخيير الأوّل- مع إرساله بل و إضماره في وجه- لا صراحة فيه أيضاً بعدم التسليم. و أمّا الصحيحتان، فقد حملهما الشيخ [٧]: ١- تارةً على أنّ المراد بالتسليم فيهما قوله: السلام علينا و على عباد اللّٰه الصالحين، دون السلام عليكم و رحمة اللّٰه و بركاته؛ لعدم وجوبهما معاً في الخروج من الصلاة. ٢- و اخرى على أنّ المراد به ما يستباح به من الكلام و غيره تسمية للمسبّب باسم السبب. ٣- و ثالثةً على التقية، و لعلّه أولى من الأوّلين.
و لا ينافيه وجوب الوصل عند أبي حنيفة لا التخيير: ١- لعدم انحصار مذاهبهم فيه أوّلًا، بل لعلّ مقتضى الحمل
[١] سنن النسائي ٣: ٢٣٣.
[٢] أرسله في مصابيح الأحكام: الورقة ٦٣.
[٣] المدارك ٣: ١٧- ١٨.
[٤] الوسائل ٤: ٦٦، ب ١٥ من أعداد الفرائض، ح ١٨.
[٥] المصدر السابق: ٦٥، ح ١٥.
[٦] المصدر السابق: ٦٦، ح ١٧، ١٦.
[٧] التهذيب ٢: ١٢٩، ذيل الحديث ٤٩٦.