جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٦١٧ - الصلاة تجاه باب مفتوح أو إنسان مواجه
..........
جو في خبر الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام): «أنّ عليّاً (عليه السلام) سئل عن الرجل يصلّي فيمرّ بين يديه الرجل و المرأة و الكلب و الحمار؟ فقال: إنّ الصلاة لا يقطعها شيء، و لكن ادرءوا ما استطعتم، هي أعظم من ذلك» [١].
و قد فهم الشهيد في الذكرى و غيره من هذه النصوص استحباب الدفع للمصلّي مضافاً إلى استحباب السترة، نعم قال بعد ذلك:
«هل كراهة المرور و جواز الدفع مختص بمن استتر أو مطلق؟ نظر؛ من حيث تقصيره و تضييعه حقّ نفسه، و في كثير من الأخبار التقييد بما إذا كان له سترة ثمّ لا يضرّه ما مرّ بين يديه، و من إطلاق باقي الأخبار، و يمكن أن يقال بحمل المطلق على المقيّد» [٢]، بل قال أيضاً: «لو احتاج في الدفع إلى القتال لم يجز، و رواية أبي سعيد الخدري و غيره عن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم): «فإن أبى فليقاتله فإنّما هو شيطان» [٣] للتغليظ أيضاً، أو يحمل على دفاع مغلّظ لا يؤدّي إلى حرج أو ضرر» [٤].
قلت: يمكن أن يقال: إنّ المراد بالإدراء الكناية عن التستّر الذي هو المدافعة بالتي هي أحسن؛ ضرورة ظهور النصوص بل صراحتها- كما اعترف هو- في أنّه مع السترة لا يضرّه بعدُ مرور المارّ؛ لكونه مستوراً و لو شرعاً كالتستّر بالعنزة و نحوها. و إليه أومأ الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير السابق بقوله: إنّه «إن كان بين يديك قدر ذراع رافع من الأرض فقد استترت» [٥] و نحوه غيره [٦].
فحينئذٍ لا يحتاج إلى الدفاع حتى لو مرّ فيما بينه و بين السترة فضلًا عمّا لو مرّ من خلفها؛ لأنّ ذلك المرور منه كعدمه بعد السترة. أو لأنّه إنّما يقدح المرور المتعارف، و الفرض أنّه قد توقّى عنه، و غيره لم يثبت الأمر بالتحرّز عنه؛ لإطلاق الأدلّة الظاهر في الإجزاء.
و لعلّ الإنكار في النصوص السابقة على من نهى عن المرور إنّما كان لوجود السترة منهم (عليهم السلام). بل قد يؤيّد ذلك أنّ مرور المارّ إنّما هو في أرض مباحة و نحوها ممّا يجوز له المرور فيه، فلا يستحقّ الدفع و الرمي بالحجر و نحوهما من أنواع الأذى المشهورة بين العامّة العمياء؛ حتى أنّه يحصل منهم بذلك بعض الأحوال المشابهة لأحوال الكلاب و الخنازير عند مزاحمتها، بل ربّما توصّلوا إلى جواز المقاتلة معه؛ لخبر أبي سعيد الخدري المتقدّم الذي قد روي نحوه عن دعائم الإسلام عن علي (عليه السلام): أنّه سئل عن المرور بين يدي المصلّي؟ فقال: «لا يقطع الصلاة شيء، و لا تدع من يمرّ بين يديك و لو قاتلته» [٧]. و حمله في الحدائق [٨] على ما سمعته من الذكرى من التغليظ و المبالغة في الدفع. و لعلّ ما نراه الآن من بعض السواد من الشيعة مأخوذ من أحوال العامّة المزبورة.
و لا يخفى على الخبير بلسان الشرع- العارف بأحكامه و سهولته و إرادته اليسر و شرع أحكامه على ما يستحسن عند سائر العقول- أنّ ذلك كلّه ممّا هو منافٍ لمذاق الشريعة. فلا يبعد- و اللّٰه أعلم- حمل نصوص الدرء على إرادة التستّر لا المدافعة المزبورة التي ربّما كانت محرّمة على المصلّي، كما أنّ المرور ربّما كان واجباً على المارّ أو مستحبّاً أو مباحاً.
[١] المصدر السابق: ١٣٦، ح ١٢.
[٢] الذكرى ٣: ١٠٦- ١٠٧.
[٣] صحيح البخاري ١: ١٣٥- ١٣٦.
[٤] الذكرى ٣: ١٠٦.
[٥] تقدّم في ص ٦١٥.
[٦] الوسائل ٥: ١٣٦، ب ١٢ من مكان المصلّي، ح ٢.
[٧] دعائم الإسلام ١: ١٩١. المستدرك ٥: ٤٠٩، ب ٤ من قواطع الصلاة، ح ٢.
[٨] الحدائق ٧: ٢٤٥.