جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٠٤ - اشتمال الصمّاء و لبس عمامة لا حنك لها
..........
و ربّما كان في النصوص [١] ما يشهد لذلك و أنّ المقصود عدم الطابقيّة و الاقتعاط الذي يحصل إمّا بالتلحّي أو السدل، و بهما يمتاز المسلم من المشرك لا بخصوص التلحّي، فإنّه و إن اقتضاه بعض تلك النصوص [٢] لكن في بعض أخبار السدل ما تضمّن أنّه به يحصل الامتياز، فعن كتاب الأمان للسيّد ابن طاوس نقلًا عن كتاب أبي العبّاس بن عقدة المسمّى ب«كتاب الولاية» بإسناده قال:
بعث رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) يوم غدير خم إلى عليّ (عليه السلام) فعمّمه و أسدل العمامة بين كتفيه، و قال: «هكذا أيّدني ربّي يوم حنين بالملائكة معمّمين قد أسدلوا العمائم، و ذلك حاجز [٣] بين المسلمين و المشركين» [٤]. بل ربّما يستفاد منه و من قوله في الحديث الآخر: عمّم رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) عليّاً (عليه السلام) يوم غدير خمّ عمامة فأسدلها بين كتفيه، و قال: «هكذا أيّدني ربّي بالملائكة» [٥] تحقّق السدل و لو من خلف، و لا يعتبر فيه كونه بين اليدين و الخلف. كما تقضي به الأخبار الاخر:
١- كالصحيح عن الرضا (عليه السلام) في قول اللّٰه عزّ و جلّ: (مُسَوِّمِينَ) [٦]: «لفّها رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) فسدلها بين يديه و من خلفه، و اعتمّ جبرائيل (عليه السلام) فسدلها بين يديه و من خلفه» [٧].
٢- و قال الصادق (عليه السلام): «عمّم رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) عليّاً بيده فسدلها بين يديه و قصّرها من خلفه قدر أربع أصابع، ثمّ قال: أدبر فأدبر، ثمّ قال: أقبل فأقبل، ثمّ قال: هكذا تيجان الملائكة» ٨.
٣- و عن ياسر الخادم: أنّه لمّا حضر العيد بعث المأمون إلى الرضا (عليه السلام) يسأله أن يركب و يحضر العيد و يصلّي و يخطب، فبعث الرضا (عليه السلام) يستعفيه، فألحّ عليه فقال (عليه السلام): «إن لم تعفني خرجت كما خرج رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) و أمير المؤمنين (عليه السلام)»، فقال المأمون: اخرج كيف شئت- إلى أن قال:- فلمّا طلعت الشمس قام (عليه السلام) و اغتسل و اعتمّ بعمامة بيضاء من قطن، ألقى طرفاً منها على صدره و طرفاً منها بين كتفيه [٩].
٤- و في المروي عن المكارم المتقدّم آنفاً: «إنّ عليّ بن الحسين (عليه السلام) دخل المسجد و عليه عمامة سوداء ألقى طرفاً منها على صدره و طرفاً بين كتفيه» [١٠] إلى غير ذلك. أو يقال: إنّه لا صراحة في الخبرين الأوّلين بعدم السدل بين اليدين.
و كيف كان فالجمع بين النصوص بما عرفت ضعيف جدّاً. و الأولى منه ما قلناه، بل هو أولى أيضاً ممّا يقال من حمل نصوص السدل على حال الحرب و نحوها فيما يراد فيه الترفّع و الاختيال، و التلحّي فيما يراد منه التخشّع و السكينة، كما يرشد إليه ما ذكره الوزير السعيد أبو سعد منصور الآبي في نثر الدرّ قال: «قالوا: قدم الزبير بن عبد المطلّب من إحدى الرحلتين، فبينما رأسه في حجر وليدة له تدَرّي لمّته [١١] إذ قالت: أ لم يرعك الخبر، قال: و ما ذاك؟ قالت: زعم سعيد بن العاص أنّه ليس لأبطحي أن يعتمّ يوم عمّته، فقال: و اللّٰه لقد كان عندي ذا حجى و قد يأجن القطر، و انتزع لمّته من يدها، و قال: يا رعاث عليّ عمامتي الطولى، فأُتي بها
[١] انظر الوسائل ٤: ٤٠٣، ب ٢٦ من لباس المصلّي، ح ٩. المستدرك ٣: ٢٧٨، ب ٢٣ من أحكام الملابس، ح ١١.
[٢] الوسائل ٤: ٤٠٣، ب ٢٦ من لباس المصلّي، ح ٨.
[٣] في الأمان: «حجر»، و في الوسائل «حجز».
[٤] الأمان: ١٠٣. الوسائل ٥: ٥٧، ب ٣٠ من أحكام الملابس، ح ١١.
[٥] الوسائل ٥: ٥٨، ب ٣٠ من أحكام الملابس، ح ١٢.
[٦] آل عمران: ١٢٥.
[٧] ٧، ٨ الوسائل ٥: ٥٥، ب ٣٠ من أحكام الملابس، ح ١، ٣.
[٩] المصدر السابق: ٥٦، ح ٥.
[١٠] المصدر السابق: ٥٧، ح ٩.
[١١] تدَرّي اللمّة: تسرّح الشعر. الصحاح ٥: ٢٠٣٢، و ٦: ٢٣٣٥.