جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٠٥ - اشتمال الصمّاء و لبس عمامة لا حنك لها
..........
فلاثها على رأسه [١] و ألقى ضيفها [٢] قدّام و خلف حتى لطخا قدميه و عقبيه، و قال: عليّ فرسي فأُتي به فاستوى على ظهره و مرّ يخرق الوادي كأنّه لهب عرفج [٣]، فلقيه سهل [٤] بن عمرو فقال: بأبي أنت و امّي يا أبا الطاهر ما لي أراك تغيّر وجهك؟ قال: أو لم يبلغك الخبر هذا سعيد بن العاص يزعم أنّه ليس لأبطحي أن يعتمّ يوم عمّته، و لِمَ؟ فو الله لطَولنا عليهم أوضح من وضح النهار و قمر التمام و نجم الساري، و الآن تنثل كنانتنا [٥] فتعجم قريش عيدانها [٦] فتعرف بازل عامنا و ثنياته، فقال له سهل: رفقاً بأبي أنت، فإنّه ابن عمّك و لم يعيك شاؤه و لن يقصر عنه طولك، و بلغ الخبر سعيداً فرحّل ناقته [٧] و اغترز رحله [٨] و نجا إلى الطائف» [٩].
إذ هو- مع أنّه لا شاهد له و لا إشارة في شيء من النصوص على كثرتها إليه حتى هذا الخبر عند التأمّل؛ إذ أقصاه وقوع ذلك منه في هذا الحال، و نحن نقول به، بل الظاهر عدم معرفة التلحّي قبل الإسلام- قد سمعت ما في بعض نصوص التلحّي [١٠] ممّا يقضي بأعمّيته من الحالين، كما أنّ في بعض نصوص السدل ما يقضي بفعله في غير الحرب كصلاة العيد [١١] و غيرها الذي يظهر من فعل عليّ ابن الحسين (عليهما السلام) [١٢]. بل و أولى ممّا قيل [١٣] أيضاً من اختصاص السدل بالنبيّ و الأئمّة و أولادهم (صلوات اللّٰه عليهم أجمعين)؛ ضرورة خلوّ النصوص عن الإشارة إليه أيضاً، بل هي في مقام التعليم و البيان ظاهرة فيما ينافي ذلك إن لم تكن صريحة. بل و أولى ممّا يقال أيضاً: إنّه لا منافاة بين السدل و التلحّي؛ إذ هما يجتمعان معاً فيتلحّى و لو ببعض العمامة و يسدل بعد ذلك؛ إذ هو كما ترى مخالف لظاهر الكيفيّتين المستفادتين من النصوص، بل يمكن القطع مع ملاحظتها بعدمه. بل و أولى ممّا تكلّفه المجلسي في المحكيّ من بحاره من إرجاع التلحّي إلى السدل، قال بعد نقل أخبار التحنّك: «و لنرجع إلى معنى التحنّك، و الظاهر من كلام بعض المتأخّرين هو أن يدخل جزءاً من العمامة تحت حنكه و يغرزه في الطرف الآخر كما يفعله أهل البحرين في زماننا، و يوهمه كلام بعض اللغويّين أيضاً، و الذي نفهمه من الأخبار هو إسدال طرف العمامة من تحت الحنك و إسداله كما مرّ في تحنيك الميّت، و هو المضبوط عند سادات بني الحسين، أخذوه عن أجدادهم خلفاً عن سلف، و لم يذكر في تعمّم رسول اللّٰه و الأئمّة عليهم الصلاة و السلام إلّا هذا» [١٤]. ثمّ ذكر أخبار السدل و كلام اللغويّين و قال: «لم يتعرّض في شيء من تلك الروايات لإدارة العمامة تحت الحنك على الوجه الذي فهمه أهل عصرنا مع التعرّض لتفصيل أحوال العمائم و كيفيّتها، و أكثر كلمات اللغويّين لا تأبى عمّا ذكرناه؛ إذ إدارة رأس العمامة من خلف إلى الصدر إدارة أيضاً، بل كلام الجزري و الزمخشري ظاهر في ذلك، حيث قالا في تفسير الاقتعاط: أن لا يجعل
[١] لاث العمامة على رأسه: أي تعصّب بها و أدارها على رأسه. مجمع البحرين ٢: ٢٦٣.
[٢] في المصدر: «ضيفيها»، و الضيف: الجانب و الناحية. لسان العرب ٩: ٢١٢.
[٣] العرفج: نبت، و قيل: هو ضرب من النبات سهلي سريع الانقياد ... و لهبه شديد الحمرة. لسان العرب ٢: ٣٢٣.
[٤] في المصدر: «سهيل».
[٥] في المصدر: «كنانتها» و الكنانة: ما يجعل فيه السهام، و نثلها: استخراج ما فيها من النبل. الصحاح ٥: ١٨٢٥، و ٦: ٢١٨٩.
[٦] عجمت العود: بلوت أمره و اختبرت حاله. الصحاح ٥: ١٩٨١.
[٧] رحّلت البعير: شددت عليه الرحل. مجمع البحرين ٥: ٣٨١.
[٨] اغترز رحله: وضع رجله في الغرز- أي الركاب- ليركب. مجمع البحرين ٤: ٢٨.
[٩] نثر الدر ١: ٣٩٥- ٣٩٦.
[١٠] الوسائل ٤: ٤٠٣، ب ٢٦ من لباس المصلّي، ح ٨، ١٠.
[١١] الوسائل ٥: ٥٦، ب ٣٠ من أحكام الملابس، ح ٥.
[١٢] المصدر السابق: ٥٧، ح ٩.
[١٣] الرياض ٣: ٢١٣.
[١٤] البحار ٨٣: ١٩٥.