جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٧٥ - استحباب التياسر لأهل العراق
[استحباب التياسر لأهل العراق]:
[و الظاهر] أنّه (يستحبّ لهم) أي العراقيين (التياسر إلى يسار المصلّي منهم قليلًا) (١).
(١) ضرورة أنّه لو لا التسامح المزبور أمكن الإشكال على هذا الحكم بما عن أفضل المحقّقين نصير الملّة و الدين لمّا حضر مجلس درس المصنّف يوماً و اتّفق الكلام في هذه المسألة من «أنّ التياسر أمر إضافي لا يتحقّق إلّا بالإضافة إلى صاحب يسار متوجّه إلى جهة، فإن كانت تلك الجهة محصّلة لزم التياسر عمّا وجب التوجّه إليه، و هو حرام؛ لأنّه خلاف مدلول الآية، و إن لم تكن محصّلة لزم عدم إمكان التياسر؛ إذ تحقّقه موقوف على تحقّق الجهة التي يتياسر عنها» [١]، فكيف يتصوّر الاستحباب؟ بل المتّجه حينئذٍ وجوب التياسر المحصّل لها. إذ التحقيق في جوابه- بناءً على كون القبلة الكعبة للبعيد لا الحرم، و على أنّ الحكم استحباب لا وجوب- أنّ المراد استحباب التياسر عن الجهة المدلول عليها بالعلامات التقريبيّة حينئذٍ. و لعلّه لأنّه أكمل في المحاذاة المعتبرة التي قد سمعت تفسير الجهة بها؛ ضرورة عدم دوران الأمر بين حصول المعتبر من المحاذاة و عدمه كي يتّجه الإشكال المزبور.
و دعوى معلوميّة انعدام حصول المحاذاة في البعيد بأدنى انحراف، يدفعها- بعد إمكان منعها-: أنّه كذلك في المحاذاة التحقيقيّة لا التقريبيّة. نعم قد يشكل ذلك بأنّه مخالف للنصوص الواردة في المقام التي هي مستندهم لهذا الحكم بحسب الظاهر:
١- كخبر المفضّل بن عمر: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التحريف لأصحابنا ذات اليسار عن القبلة و عن السبب فيه؟ فقال: «إنّ الحجر الأسود لمّا انزل به من الجنّة و وضع في موضعه جعل أنصاب الحرم من حيث يلحقه النور نور الحجر، فهي عن يمين الكعبة أربعة أميال و عن يسارها ثمانية أميال، كلّه اثنا عشر ميلًا، فإذا انحرف الإنسان ذات اليمين خرج عن حدّ القبلة؛ لقلّة أنصاب الحرم، و إذا انحرف ذات اليسار لم يكن خارجاً عن حدّ القبلة» [٢].
٢- و مرفوع عليّ بن محمّد: قيل لأبي عبد اللّه (عليه السلام): لِمَ صار الرجل ينحرف في الصلاة إلى اليسار؟ فقال: «لأنّ للكعبة ستّة حدود، أربعة منها على يسارك، و اثنان منها على يمينك، فمن أجل ذلك وقع التحريف على اليسار» [٣].
و لا منافاة بينه و بين سابقه بعد إرادة الأميال الثمانية و الأربعة من الحدود الأربعة و الاثنين فيه.
٣- و المحكي عن فقه الرضا (عليه السلام): «إن أردت توجّه القبلة فتياسر مثل ما تتيامن؛ فإنّ الحرم عن يمين الكعبة أربعة أميال و عن يسارها ثمانية أميال» [٤].
ضرورة ظهور الجميع في أنّ التياسر للوقوع في الحرم.
و من هنا بنى المصنّف هذا الحكم- في رسالته [٥] المعمولة في هذه المسألة التي عرضها على المحقّق المزبور فاستحسنها- و تبعه غيره على القول بأنّ القبلة للبعيد الحرم لا الكعبة، فيتّجه حينئذٍ ردّه أو التوقّف فيه ممّن لا يقول بذلك، بل و ممّن قال به:
١- لضعف المستند.
[١] نقله في المهذب البارع ١: ٣١٢.
[٢] الوسائل ٤: ٣٠٥، ب ٤ من القبلة، ح ٢.
[٣] المصدر السابق: ح ١.
[٤] فقه الرضا (عليه السلام): ٩٨. و المستدرك ٣: ١٨٠، ب ٣ من القبلة، ح ١، و فيه: «فتياسر مثلي ما تيامن».
[٥] رسالة تياسر القبلة (الرسائل التسع): ٣٢٨.