جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥١ - الفعل الكثير في الصلاة
................
-
و لا يخفى عليك أنّ ما ذكرنا ليس رجوعاً إلى العرف في الأحكام الشرعيّة كي يقال: إنّه بمعزل عنها و ليس هو من مداركها، بل المراد أنّه يرجع إليه في حفظ الصورة المتلقّاة من الشرع التي علّق التكليف بها، ففي الحقيقة إنّما رجع إليه في متعلّق الحكم الشرعي و موضوعه الذي هو وظيفته.
كما أنّه لا يخفى عليك عدم منافاة ذلك لكون الصلاة من محدثات الشرع و مخترعاته التي لا مجال للعرف في معرفتها بدون التوقيف و معرفة الفعل الكثير فيها و القليل و المنافي و غير المنافي؛ ضرورة أنّك قد عرفت كون المراد حفظ الصورة عند المتشرّعة المأمورين بها المتشاغلين في أدائها الذين وصلت إليهم أيضاً بالتوقيف.
و لعلّ كثيراً من المبطلات مستفاد من ذلك، كرفع الصوت فيها زائداً على المتعارف، و إطالة الذكر في أثنائها أو السكوت أو نحو ذلك.
و منه أيضاً بعض الأفعال القليلة الماحية للصورة، بمعنى أنّ المتشرّعة يحكمون بمنافاة مثلها للصلاة، كالصفق لعباً أو الوثبة الفاحشة أو نحو ذلك ممّا أدخلوه تحت الفعل الكثير؛ لوضوح البطلان به و عدم ذكر عنوان خاصّ له عند الأصحاب، فالتجئوا إلى ذلك، و قد عرفت ما فيه، و أنّ كثيراً من الامور لم يذكروها اعتماداً على معلوميّة وجوب المحافظة على الصورة المحفوظة عند المتشرّعة، المعلوم- من هذه الجهة- ما ينافيها و ما لا ينافيها عندهم، فاكتفوا بذلك عن ذكرها بالخصوص.
فظهر لك حينئذٍ أنّ البطلان بالفعل الكثير إنّما هو من حيث تفويته للموالاة، فلعلّ من علّله بالخروج عن كونه مصلّياً كالفاضلين ( [١]) و غيرهما أراد ذلك، كما أنّ الفاضل الاصبهاني أراد بما ذكره- من أنّ الفعل الكثير يبطل الصلاة عمداً لا سهواً إن لم يمح صورة الصلاة، وفاقاً لإطلاق الأكثر ... إلى آخره ( [٢])- عدم المحو لصورة الصلاة و إن فاتت الموالاة و تحقّقت المنافاة عرفاً؛ ضرورة كونها حينئذٍ كفوات الاستقبال و الطهارة و الطمأنينة و نحوها ممّا لا يذهب معه الصورة و إن كانت باطلة حتى على القول بالصحيحي، لا أنّ المراد بعدم المحو عدم فوات الموالاة أيضاً فيدخل فيه الفعل الكثير الذي لا ينافي الموالاة، و ثبوت البطلان به محلّ منع؛ إذ معقد الإجماع و إن كان مطلقاً في بعض المصنّفات لكن في المعتبر و المنتهى و غيرهما تعليله- بعد دعواه- بخروجه عن كونه مصلّياً ( [٣]).
و قد صرّح غير واحد بأنّ المدار على محو الصورة، كما أنّه صرّح به بعضهم في تفسير الكثرة؛ حتى أنّه جعل الوثبة الفاحشة من الكثير لمحوها، بخلاف حركة الأصابع و نحوها ( [٤]).
و تصفّح كلماتهم أكبر شاهد على ما قلنا من أنّ المدار عندهم في البطلان بالفعل الكثير على المحو للصورة و لو بالمعنى الذي ذكرناه من تفويت الموالاة، لا أنّه مانع لنفسه بالخصوص تعبّداً.
و كأنّ الذي ألجأ الاصبهاني إلى ما ذكره أنّه قوي في نظره التفصيل بين العمد و السهو في ذلك ( [٢])، فيبطل الكثير
[١] المعتبر ٢: ٢٥٥. المنتهى ٥: ٢٩٣.
[٢] كشف اللثام ٤: ١٧٢.
[٣] المعتبر ٢: ٢٥٥. المنتهى ٥: ٢٩٣.
[٤] مجمع الفائدة و البرهان ٣: ٧١- ٧٢.