جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١١١ - وقت صلاة الجمعة
................ ...
-
قلت: لا ريب في أنّه أحوط في الفراغ من الشغل اليقيني، لكن قد يناقش في بعض النصوص المزبورة باحتمال إرادة الظهر من الجمعة، بل لعلّه الظاهر من بعضها؛ بقرينة معلوميّة عدم صلاة الإمام بل و الرواة غالباً للجمعة يومئذٍ، و مساواة السفر للحضر في الوقت، و معلوم أنّها ظهر في الأوّل، و استفاضة النصوص في توقيت الظهر بذلك في يوم الجمعة. قال اسماعيل بن عبد الخالق: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن وقت الظهر؟ فقال: «بعد الزوال بقدم أو نحو ذلك، إلّا يوم الجمعة أو في السفر، فإنّ وقتها حين تزول الشمس» ( [١]). و في مضمر سماعة: «وقت الظهر يوم الجمعة حين تزول الشمس» ( [٢]). و في خبر عبد الرحمن بن عجلان عن الباقر (عليه السلام): «إذا كنت شاكّاً في الزوال فصلّ الركعتين، فإذا استيقنت الزوال فصلّ الفريضة» ( [٣]). و قال الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن سنان: «إذا زالت الشمس يوم الجمعة فابدأ بالمكتوبة» ( [٤]). إلى غير ذلك من النصوص الظاهرة في إرادة بيان مغايرة وقت الفضل للظهر و العصر يوم الجمعة لوقتهما في غيرها باعتبار تقدّم النوافل فيها على الزوال و تأخّرها عنه في غيرها، و لا ينافيه التضييق المحمول على بيان شدّة التأكّد. و لو سلّم بُعد إرادته من الجمعة في بعضها أمكن حمله فيها على بيان الفضل كوقت العصر المذكور في كثير منها معها نحو ذكر الظهر في السفر، بل يحتمل في جملة منها إرادة بيان ابتداء الوقت بالزوال ردّاً على المحكيّ من فعل أبي بكر ( [٥]) لها قبله، بل رووه عن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) ( [٦]) أيضاً، فلا تعارض حينئذٍ إطلاق الأوامر، و استصحاب بقاء الوقت، و ما دلّ ( [٧]) على أنّ صلاة النهار أو صلاتي الظهر و العصر لا تفوت إلى مغيب الشمس. و من هنا كان المحكيّ عن ابن إدريس توقيت الجمعة بوقت الظهر فضلًا و إجزاءً ( [٨])، و اختاره الشهيد في الدروس و البيان ناسباً له في الثاني إلى ظاهر الأدلّة ( [٩])، بل هو ظاهر الروضة حيث نسبه إلى ظاهر النصوص ( [١٠]) و نفي الشاهد على المثل، بل عن جامع الشرائع: أنّه «يستحبّ تقصير الخطبتين خوفاً من فوات وقت الفضل» ( [١١])، بل عن المسالك: «أنّه يناسب اصولنا» ( [١٢]). و ربّما يؤيّده بما يظهر من النصوص ( [١٣]) أنّ الجمعة ظهر عوِّض الركعتان فيها بالخطبتين، و إلّا فهي هي، و كأنّه أومأ إلى ذلك في الروضة بالنسبة المزبورة ( [١٤]). بل قد يظهر من الدروس و البيان ( [١٥]) و كذا الروضة أنّ التحديد بالمثل ( [١٦]) مبنيّ على خروج وقت الظهر اختياراً به، و بأنّها لو فاتت قبل ذلك فإمّا أن يتضيّق كما يقوله ابن حمزة و الحلبيّان ( [١٧])، و فيه من العسر ما لا يخفى، مع أنّ اللّٰه لا يكلّف نفساً إلّا وسعها. و إمّا أن يمتدّ إلى وقت كالمثل، و لا دليل عليه. فلم يبق إلّا حمل المضيّقات على التأكيد في المبادرة، و بغير ذلك ممّا لا يخفى. لكن و مع ذلك فمراعاة التضييق أحوط و أولى، و اللّٰه أعلم.
[١] الوسائل ٧: ٣١٧، ب ٨ من صلاة الجمعة، ح ٧.
[٢] المصدر السابق: ٣١٧، ح ٨.
[٣] المصدر السابق: ٣١٨، ح ١٠.
[٤] المصدر السابق: ٣١٩، ح ١٥.
[٥] سنن الدار قطني ٢: ١٧، ح ١.
[٦] صحيح مسلم ٢: ٥٨٨، ح ٢٩.
[٧] الوسائل ٤: ١٢٥، ١٢٦، ب ٤ من المواقيت، ح ٣، ٥.
[٨] نقله في البيان: ١٨٦.
[٩] الدروس ١: ١٨٨. البيان: ١٨٦.
[١٠] الروضة ١: ٢٩٦.
[١١] الجامع للشرائع: ٩٤.
[١٢] المسالك ١: ٢٣٣.
[١٣] الوسائل ٧: ٣١٢، ب ٦ من صلاة الجمعة، ح ١. المستدرك ٦: ١٥، ب ٦ من صلاة الجمعة، ح ١، ٢.
[١٤] الروضة ١: ٢٩٦.
[١٥] الدروس ١: ١٨٨. البيان: ١٨٦.
[١٦] الروضة ١: ٢٩٦.
[١٧] الوسيلة: ١٠٤. الكافي: ١٥٣. الغنية: ٩١.