جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٠٠ - حكم قطع الصلاة
................
-
قائلين ( [١]): إنّه لم يعلم جواز القطع لذلك، و فيه ما عرفت. و لا ينافيه الأمر في النصوص السابقة بعد معلوميّة إرادة الجواز بالمعنى الأعمّ منه؛ ضرورة عدم وجوب حفظ المال اليسير الذي لا يضرّ بالحال أو لا يبالي بفوته، و ليس هو من الإسراف قطعاً، بل قد يتردّد في أصل وجوب حفظ المال و إن عظم ما لم يدخل تحت الإسراف و السفه و التبذير و نحوها، فتأمّل. كما أنّه اعترض في الحدائق- ما فيها و في غيرها أيضاً من بطلان الصلاة مع وجوب القطع، معلّلًا له بالنهي المفسد للعبادة- بأنّه مبنيّ على استلزام الأمر بالشيء النهي عن ضدّه الخاص، و الظاهر منه في غير موضع من كتابه المذكور عدم القول به. و بالجملة: فالحكم بالبطلان ضعيف، بل غايته حصول الإثم ( [٢]). و فيه: أنّه لعلّ البطلان هنا للأمر بالقطع في مرسل حريز السابق الذي لا يجامعه الأمر بالإتمام ضرورةً، لا للنهي عن الضدّ، فإنّ فرض تلك المسألة الانتقال إليه من الأمر بالشيء، لا مع التصريح بالنهي مثلًا عن الضدّ بالخصوص، و ليس هو مبنى المسألة قطعاً، و لذا تعدّى الأصحاب فجوّزوا قطعها لما لا يجب من حفظ المال و غيره. و من ذلك ينقدح البطلان في جميع موارد مسألة الضدّ أو أكثرها و إن لم نقل باقتضاء الأمر بالشيء، بل من حيث هذه الأدلّة بخصوصها؛ ضرورة كون المذكور فيها مثالًا لما يشمل الواجب المضيّق؛ إذ هو من العذر قطعاً، فالشروع في الصلاة و تركه منافٍ لما دلّ على الأمر بقطعها للعذر الذي منه الواجب؛ إذ متى امر بقطعها لم يتصوّر صحّة إتمامها فضلًا عن الابتداء بها. اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ الأمر بالقطع إنّما وقع بالنسبة إلى بعض الأشياء، فيبقى الباقي على قاعدة الضدّ. و فيه: أنّك قد عرفت كون الواقع في النصوص على جهة المثال. و يدفع: بأنّه مثال لكلّ ضرر على النفس و المال و الغير مثلًا، لا أنّه مثال لكلّ واجب. أو يقال: إنّ الأمر بالقطع لا يفهم منه إلّا التأكيد لأمر المقدّمة الذي لا يقتضي الفساد على ما هو التحقيق في مسألة الضدّ.
و فيه: أنّ الفهم العرفي خير حاكم بين الأوامر الصريحة و الضمنيّة، و كذا النواهي، كما لا يخفى على من لاحظ ذلك بأدنى تأمّل. أو يقال: إنّ الأمر بالقطع في مرسل حريز ( [٣]) في مقام توهّم الحظر، فلا يفهم منه إلّا الإباحة، و الوجوب في بعض الأمثلة المذكورة فيه مبنيّ على قاعدة الضدّ، فيتوجّه حينئذٍ الاعتراض على الشهيد، بل قد يؤيّد عدم كونه للوجوب معلوميّة عدم وجوب مطالبة الغريم و طلب الآبق، فلا محيص عن إرادة غير الوجوب من الأمر. و فيه: أنّه قد يمنع قاعدة الحظر في نحو المقام المعلوم وجوبه؛ إذ بقاء الأمر على حقيقته خيرٌ من حمله على الإباحة و استفادة الوجوب من خارج. و أمّا اشتمال مرسل حريز على المطالبة و الطلب فيمكن حملهما على الصورة الواجبة منهما، كما إذا أضرّا بالحال أو استلزما الإسراف. أو يقال: إنّه لو اريد من الأمر بالقطع القدر المشترك إلّا أنّه أيضاً هو ليس كالأمر المقدّمي، بل الظاهر منه البطلان و لو بعد دلالة القرينة من خارج، فتأمّل جيّداً فإنّه دقيق. على أنّه لو سلّم عدم ذلك كلّه فلعلّ الشهيد بناه على خروج المضيّقين عن مسألة الضدّ، كما هو ظاهر كلامهم في تحرير محلّ النزاع فيها، و قالوا في المضيّقين: إنّ المختار مراعاة الترجيح، فحينئذٍ يتعيّن الأمر بالراجح و يبقى المرجوح بلا أمر، فلا يتصوّر له صحّة أصلًا. نعم المختار عندنا- مع عصيان المكلّف في فعل الراجح و اختيار المرجوح- الصحّة، تحكيماً لإطلاق
[١] في بعض النسخ: «قائلًا».
[٢] الحدائق ٩: ١٠٣.
[٣] تقدّم في ص ١٠٠.