جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٩ - الالتفات في الصلاة
الاحتمالات الثلاث [١].
-
(١) و إن احتمل الأوّلين منها بعضهم ( [١])، و كأنّه لمّا ضاق به الخناق و أراد الجمع بين اشتراط الاستقبال و الحكم بعدم قادحيّة الالتفات بالوجه ارتكب ما سمعت. و فيه: أنّه لا ريب في عدم قابليّة النصوص و الفتاوى للجمع المزبور؛ ضرورة عدم الشاهد على مدخليّة الطول و القصر في ذلك؛ إذ ليس هو- بناءً على اعتبار الاستقبال به بحيث ينافيه الالتفات- إلّا كالاستقبال بالكلّ و الالتفات به الذي لا يتفاوت فيه بين الطول و القصر قطعاً. اللّهم إلّا أن يقال: إنّ الإبطال به مع الطول لا من حيث الالتفات الذي هو المانع، بل لفوات الشرط الذي هو الاستقبال؛ إذ الالتفات كما أنّه يعتبر فيه سبق غير الحال الذي التفت عنه يعتبر فيه أيضاً الانقطاع بسرعة على الظاهر، فالفرض حينئذٍ ليس من الالتفات حتى يكون مكروهاً، بل هو حال آخر فات شرط الاستقبال فيه، لكنّه كما ترى.
و كذا لا مدخليّة لمقارنة الأفعال و عدمها؛ لأنّه على التقدير المزبور شرط للصلاة لا لأفعالها خاصّة كالطمأنينة مثلًا، بل هو مثل الطهارة و الستر و نحوهما ممّا يعتبر حصوله ما دام المكلّف في الصلاة حال الفعل أو لا، و من الواضح أنّه لا زمان متخلّل بحيث يكون فيه ليس في صلاة و إن تلبّس ببعض الأفعال الخارجة عنها، إلّا أنّ وصف كونه في صلاةٍ لاحق له، و إلّا لم يكن تحريمها التكبير و تحليلها التسليم، و ستسمع إن شاء اللّٰه زيادة توضيح له. و الثالث- و إن كان هو أولى من السابقين، و مرجعه إلى شرطية الاستقبال به ابتداءً لا استدامة بحيث ينافيه الفرض- مساعدة الأدلّة عليه و الفتاوى لا تخلو من صعوبة. فالأولى حينئذٍ ما ذكرنا من عدم منافاة هذا الالتفات للمعتبر من الاستقبال بالوجه و توليته، و اللّٰه أعلم. و أمّا نصوص الوجه و نحوه فلا يخفى على من لاحظها و له أدنى خبرة بالمحاورات، أنّ المراد منها- حتى خبري الفضيل و القماط المطّرحين عندنا كما سمعته في الحدث- الإعراض عن القبلة و المضيّ عنها بالكلّ المكنّى عنه بالوجه كالآية المستدلّ بها في بعض تلك النصوص، فلا شاهد فيها حينئذٍ على ذلك. و لعلّه لذا ترك الاستدلال بها في كشف اللثام ( [١]) مع شدّة تجشّمه لمختاره، حتى استدلّ باحتمال كونه فاحشاً الذي لا يجديه- بعد تسليمه له- في تقييد إطلاق أدلّة الجواز. نعم يتّجه ذلك بناءً على ظهور تناول الفاحش كما سمعته في المدارك ( [٣])؛ إذ هو ليس من مصداق الموضوع كي يعتبر فيه القطع مثلًا، بل هو من الظنّ بمعنى اللفظ، فيرجع حينئذٍ إلى استظهار شمول لفظ الفاحش لذلك، و لا ينافيه العلم ببعض أفراده. لكن قد يمنع عليه دعوى الشمول، خصوصاً و العمدة في معرفة المراد منه في خصوص الصلاة التي هي توقيفيّة فهم الأصحاب، و قد عرفت أنّ المشهور بينهم بل لعلّه إجماع عدم البطلان بذلك، فلا يكون من الفاحش؛ إذ هم العمدة في أمثال ذلك لا سواد المتشرّعة و أعوامهم ( [٣]) الذين يعتقدون كثيراً ممّا يواظب عليه العلماء و الأتقياء- لشدّة استحبابه أو للاحتياط فيه، أو نحو ذلك- من الواجبات التي تفسد بتركها العبادات. و ربّما يؤيّده [/ عدم كونه من الفاحش] أنّ المشاهد حال الالتفات بالوجه خاصّة يميناً و شمالًا عدم الخروج به عن القبلة، بل أقصاه توجّه النظر إلى الجهتين، و إلّا فصفحة الوجه بل صفحتاه معاً إلى القبلة و إن لم يكن على الطريق المتعارف في استقبالهما، فتأمّل جيّداً. بل لو لا بعض النصوص السابقة و أكثر الفتاوى و معاقد بعض الإجماعات لأمكن إرادة الالتفات بالكلّ من الفاحش، بل ربّما احتمل عود الضمير في قوله (عليه السلام): «بكلّه» إلى الالتفات، فيكون المراد الكامل في التفاحش، و الإطلاق في الحسنة منصرف إليه، و إن كان هو كما ترى، كاحتمال عدم تقييد مفهوم الصحيح بمنطوق الحسن؛ لعدم مقاومته له من هذه الجهة، و ستعرف ما فيه، خصوصاً و هذا الحسن بمنزلة الصحيح، بل لعلّه منه كما هو واضح. و بذلك كلّه ظهر لك البحث في جميع صور العمد.
[١] الكفاية ١: ١١٩. كشف اللثام ٤: ١٨٦.
[٣] المدارك ٣: ٤٦٢. الأولى في التعبير: «و عوامّهم».