جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٨ - الالتفات في الصلاة
إلّا أنّه مكروه [١]. فلا يتفاوت حينئذٍ بين طول الالتفات و قصره، أو مقارنته لبعض أفعال الصلاة مطلقاً أو لما لا يمكن تداركه منها كالأركان و عدمها، أو مقارنته لأوّل انعقاد الصلاة و عدمها، فيبطل الأوّل دون الثاني في-
(١) و هو المراد بقول المصنّف و غيره فيما يأتي: «و يكره الالتفات يميناً و شمالًا» أي بالوجه كما قيّده به جماعة منها المعتبر و التذكرة كما عرفت؛ ضرورة معلوميّة حرمة الالتفات بالكلّ دون اليمين و الشمال فضلًا عنهما كما سمعته مفصّلًا.
و كذا احتمال تنزيلها على الالتفات بالعين خاصّة، فإنّه أيضاً لا شاهد له و لا داعي إليه؛ إذ لا حرمة في الالتفات بالوجه للأدلّة المزبورة. و لم نعرف فيه خلافاً بين أصحابنا إلّا ما حكاه في الذكرى عن بعض مشايخه المعاصرين من أنّه يقطع الصلاة، كما يقوله بعض الحنفيّة، قال: «لما رووه عن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) أنّه قال: «لا تلتفتوا في صلاتكم، فإنّه لا صلاة لملتفت» ( [١])، رواه عبد اللّه بن سلام» ( [٢]). و أجاب عنه كالفاضل بحمله على الالتفات بالكلّ ( [٣]). و الظاهر أنّه أراد بالبعض فخر المحقّقين ( [٤]) كما حكاه عنه غير واحد، بل لعلّه مراد المقداد في التنقيح بالسعيد الذي حكى عنه ذلك أيضاً، ثمّ قال: «و هو أولى» ( [٥])؛ إذ يبعد إرادته الشهيد منه؛ لأنّ المعروف اختياره المشهور، لكن ستعرف حكايته في كشف اللثام عن ألفيّته ( [٦])، إلّا أنّ الشهيد الثاني قد فهم منها خلاف ذلك ( [٧]). و كيف كان فقد انحصر الخلاف في الفخر خاصّة، أو مع الشهيد و المقداد، بناءً على إرادته الوجوب من الأولويّة. نعم مال إليه في المدارك ( [٨]) تبعاً لشيخه ( [٩]) و بعض متأخّري المتأخّرين. و في كشف اللثام: «أنّه الأقوى؛ للأمر في الآية ( [١٠]) بتولية الوجوه شطر المسجد الحرام، و احتمال كونه [/ الالتفات] فاحشاً، و ظهور ما مرّ من خبري الفضيل ( [١١]) و القمّاط ( [١٢]) في غير العمد، و احتماله في المجوّز للالتفات من الأخبار، و احتمال الالتفات بالعين أو القلب فيها، و هو مختار الألفيّة» ( [١٣]). و في الحدائق- بعد أن اعترف أنّ الأصحاب ردّوا فخر المحقّقين- قال: «و لكنّ ذلك منهم عجيب؛ لأنّ هذه الأخبار ظاهرة الدلالة عليه كالنور على الطور» ( [١٤])، مشيراً إلى سائر النصوص المتضمّنة للنهي و نحوه عن قلب الوجه ( [١٥]) و صرفه ( [١٦]) و نحوهما، تبعاً لسيّد المدارك، بل زاد فيها: أنّه حملها الشهيد على الكلّ؛ لصحيح زرارة ... إلى آخره ( [١٧]) ثمّ قال: «و قد يقال: إنّ هذا المفهوم مقيّد بمنطوق رواية الحلبي ( [١٧])، فإنّ الظاهر تحقّق التفاحش بالالتفات بالوجه إلى أحد الجانبين» ( [١٩]).
قلت: قد عرفت مقتضى الجواز من النصوص و الفتاوى ممّا لا يصلح شيء من ذلك لمعارضته؛ إذ الوجوه المأمور بتوليتها- المكنّى بها عن الكلّ قطعاً، التي هي منه بل معظمه- قد يمنع منافاة الالتفات المزبور لتوليتها، خصوصاً بعد قيام الأدلّة المذكورة، و لعلّ مرجع اعتبار الأصحاب الاستقبال مع حكمهم هنا بالكراهة إلى ذلك، و مثله المراد في مجموع الآية و النصوص.
[١] كنز العمّال ٧: ٥٠٥، ح ١٩٩٨٧.
[٢] الذكرى ٤: ٢١.
[٣] التذكرة ٣: ٢٩٥.
[٤] شرح الإرشاد: ٨٣.
[٥] التنقيح ١: ٢١٩.
[٦] كشف اللثام ٤: ١٨٦- ١٨٧.
[٧] المقاصد العليّة: ٢٩٤.
[٨] المدارك ٣: ٤٦١- ٤٦٢.
[٩] مجمع الفائدة و البرهان ٣: ٦٢.
[١٠] البقرة: ١٤٤.
[١١] الوسائل ٧: ٢٣٥- ٢٣٦، ب ١ من قواطع الصلاة، ح ٩.
[١٢] المصدر السابق: ٢٣٧، ح ١١.
[١٣] كشف اللثام ٤: ١٨٦- ١٨٧.
[١٤] الحدائق ٩: ٣٦.
[١٥] الوسائل ٤: ٣١٢، ب ٩ من القبلة، ح ٣.
[١٦] الوسائل ٧: ٢٤٥، ب ٣ من قواطع الصلاة، ح ٦.
[١٧] الوسائل ٧: ٢٤٤، ب ٣ من قواطع الصلاة، ح ٣، ٢.
[١٩] المدارك ٣: ٤٦٢.