جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٧٥ - صلاة الاستسقاء
و من أعظم الأسباب في ذلك التوبة و الاستغفار [١].
-
(١) فإنّهما الماحيان للذنب الّذي هو السبب الأقوى في ظهور الغلاء و الجدب، و قد قال اللّٰه عزّ و جلّ حكايةً عن هود على نبيّنا و آله و (عليه السلام): (وَ يَا قَومِ استَغفِرُوا رَبَّكُم ثُمَّ تُوبُوا إِلَيهِ يُرسِلِ السَّمَاءَ عَلَيكُم مِدرَاراً وَ يَزِدكُم قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُم) ( [١]) و عن نوح (عليه السلام): (فَقُلتُ استَغفِرُوا رَبَّكُم إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً* يُرسِلِ السَّمَاءَ عَلَيكُم مِدرَاراً* وَ يُمدِدكُم بِأَموَالٍ وَ بَنِينَ وَ يَجعَل لَكُم جَنَّاتٍ وَ يَجعَل لَكُم أَنهَاراً) ( [٢]) قال لهم ذلك لمّا حبس اللّٰه عنهم المطر و أعقم أرحام نسائهم أربعين سنة ( [٣]). و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض خطبه: «إنّ اللّٰه يبتلي عباده عند الأعمال السيئة بنقص الثمرات، و حبس البركات، و إغلاق طريق الخيرات؛ ليتوب تائب، و يقلع مقلع، و يتذكّر متذكّر، و يزدجر مزدجر، و قد جعل سبحانه الاستغفار سبباً لدرور الرزق، و رحمةً للخلق، فقال: (استَغفِرُوا رَبَّكُم إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً) ( [٤]) إلى آخرها. و في خطبة اخرى له (عليه السلام) أيضاً: «و لو أنّ أهل المعاصي و كسبة الذنوب إذا هم حذروا زوال نعمة اللّٰه و حلول نقمته و تحويل عافيته أيقنوا أنّ ذلك من اللّٰه جلّ ذكره بما كسبت أيديهم، فأقلعوا و تابوا و فزعوا إلى اللّٰه جلّ ذكره بصدق نيّاتهم و إقرار منهم بذنوبهم و إساءتهم؛ لصفح لهم عن كلّ ذنب، و إذاً لأقالهم على كلّ عثرة، و لردّ عليهم كلّ كرامة و نعمة، ثمّ أعاد لهم من صالح أمرهم و ما كان أنعم به عليهم كلّ ما زال عنهم و فسد عليهم» ( [٥]).
و عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام): «من اعطي أربعاً لم يحرم أربعاً: من اعطي الدعاء لم يحرم الإجابة، و من اعطي الاستغفار لم يحرم التوبة، و من اعطي الشكر لم يحرم الزيادة، و من اعطي الصبر لم يحرم الأجر» ( [٦])، و الروايات في هذا المعنى أكثر من أن يحيط بها السبر، فلنكتف بهذا المقدار.
و بالجملة: لا كلام في رجحان الاستسقاء إذا ظهر الجدب عند جميع المسلمين، بل بالضرورة من الدين، و خلاف أبي حنيفة في الصلاة لذلك خاصة، و إلّا فقد استسقى النبيّ و الأنبياء من قبله و الأئمّة عليهم الصلاة و السلام من بعده و أمروا به. و قد جاء عنهم في ذلك خطب بليغة و أدعية بديعة:
١- روى الكليني في الكافي ( [٧]) كما عن المجالس للشيخ ( [٨]) بإسنادهما عن أبي العبّاس و رزيق ( [٩]) الخلقاني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- و اللفظ للأوّل- قال: «أتى قوم رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) فقالوا: يا رسول اللّٰه إنّ بلادنا قد قحطت و توالت السنون علينا، فادع اللّٰه تعالى يرسل السماء، فأمر رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) بالمنبر فاخرج و اجتمع الناس، فصعد رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) و دعا و أمر الناس أن يؤمّنوا، فلم يلبث أن هبط جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمّد أخبر الناس أنّ ربّك قد وعدهم أن يمطروا يوم كذا و كذا وساعة كذا و كذا، فلم يزل الناس ينتظرون ذلك
[١] هود: ٥٢.
[٢] نوح: ١٠- ١٢.
[٣] علل الشرائع: ٣٠، ح ١.
[٤] المستدرك ٦: ٢٠١، ب ١١ من صلاة الاستسقاء، ح ٣. نهج البلاغة: ١٩٩، الخطبة ١٤٣، و فيه: «خزائن» بدل «طريق».
[٥] الكافي ٨: ٢٥٦، ح ٣٦٨.
[٦] الوسائل ٧: ٢٨، ب ٢ من الدعاء، ح ١٦.
[٧] الكافي ٨: ٢١٧، ح ٢٦٦. الوسائل ٨: ٧، ١٥، ب ١، ٩ من صلاة الاستسقاء، ٤، ١.
[٨] أمالي الطوسي: ٦٩٧، ح ١٤٨٨. المستدرك ٦: ١٨٤، ب ١ من صلاة الاستسقاء، ح ٧.
[٩] فيه اختلاف في المصادر إن شئت فراجع.