جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٤١ - حكم الجمعة في زمن الغيبة
................
-
خوفاً، فآمنهما الإمامان و أذنا لهما بالخصوص في فعلها، و لغير ذلك.
على أنّ الإذن في كلّ زمان لا بدّ من صدوره عن إمام ذلك الزمان، فلا يجدي زمن الغيبة إلّا إذن الغائب (عليه السلام)، و لم يوجد قطعاً، أو نصّ إمام من الأئمّة (عليهم السلام) على عموم جواز فعلها في كلّ زمان، و هو أيضاً مفقود. و ما يقال من أنّ حكمهم (عليهم السلام)- كحكم النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم)- على الواحد حكمهم على الجماعة، إلّا إذا دلّ دليل على الخصوص فهو صواب في غير حقوقهم، فإذا أحلّ أحدهم حقّه من الخمس مثلًا لرجل لم يعمّ غيره، و لشيعته لم يعمّ شيعة غيره من الأئمّة (عليهم السلام). فكذا الإذن في الإمامة، خصوصاً إمامة الجمعة التي لا خلاف لأحد من المسلمين في أنّه إذا حضر إمام الأصل (عليه السلام) لم يجز لأحد غيره الإمامة فيها إلّا بإذنه. و لو لم يقم ( [١]) وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و لم يحرم كتمان العلم و ترك الحكم بما أنزل اللّٰه لم يجز للفقهاء الحكم و الإفتاء في زمن الغيبة إلّا بإذن الغائب روحي له الفداء، و لم يكف لهم إذن من قبله و جعله قاضياً.
و قد ظهر لك ممّا ذكرنا توجيه ما في السرائر من أنّ «الأربع ركعات في الذمّة بيقين، فمن قال: صلاة ركعتين تجزي عن الأربع محتاج إلى دليل، فلا يرجع عن المعلوم بالمظنون و أخبار الآحاد التي لا توجب علماً و لا عملًا» ( [٢])، بحيث لا يرد عليه ما قيل من أنّ اشتغال الذمّة يوم الجمعة بالأربع غير معلوم، و الأصل عدمه ( [٣])؛ إذ قد عرفت أنّ الاتّفاق حاصل على الأربع ما لم يحصل الإذن في الاقتصار على الركعتين، فلا يجوز الاقتصار عليهما ما لم يعلم الإذن.
و إن قيل: بل ندّعي أنّ الذمّة مشغولة بالركعتين المقرونتين بخطبتين المنفردتين عن ركعتين اخريين، فما لم يعلم الإذن بالأربع لم تبرأ الذمّة بيقين.
قلنا: أمّا على التخيير فالجواب ظاهر؛ لحصول اليقين بالبراءة بالأربع قطعاً، و أمّا الركعتان فإنّما يحصل اليقين بالبراءة بهما إذا حصل اليقين بالتخيير، و أمّا على ما يحتمل من الوجوب عيناً فنقول: من المعلوم اشتراط صحّة الركعتين و حصول البراءة بهما بإمام مأذون في إمامته، بخلاف الأربع فلا شرط لها، فما دام الشكّ في وجود إمامٍ كذلك يحصل اليقين بالبراءة بالأربع دون الركعتين.
و يؤكّد الأمرين استمرار الأئمّة (عليهم السلام) و أصحابهم على الأربع من زمن زين العابدين (عليه السلام)، و الاكتفاء في البراءة بالظنّ الشرعي- و إلّا لزم التكليف بما لا يطاق- متّجه إذا انتفى الطريق إلى العلم. و قد عرفت العلم بالبراءة بالأربع خصوصاً على التخيير، فلا يترك بالظنّ.
و إن تنزّلنا قلنا: الأمر مردّد بين تعيّن الأربع و تعيّن الركعتين، ثمّ تأمّلنا فلم نرَ دليلًا على الثاني إلّا ما يتوهّم من ظاهر الأخبار. و قد عرفت أنّها لا تدلّ على الإذن فضلًا عن التعيين، و إذا لم تدلّ على الإذن تعيّنت الأربع ضرورة و لو احتياطاً.
و لو قلب الأمر فقال: إنّا تأمّلنا فلم نجد دليلًا على تعيّن الأربع إلّا عدم الإذن في سقوط ركعتين و في الإمامة و الائتمام و في الخطبة، و يدفعها ظواهر الأخبار، مع أنّه لا دليل على ثبوت الركعتين ليفتقر إلى الدليل على سقوطهما.
[١] في المصدر: «يعمّ».
[٢] السرائر ١: ٣٠٣- ٣٠٤.
[٣] المختلف ٢: ٢٣٩.