جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٩٤ - اعتبار المسافة بين الجمعتين
................
-
نعم لو كان إمام الأصل موجوداً تعيّن على الجميع الحضور عنده، و هو أيضاً خلاف الفرض، و كذا يخرج عن الفرض ما إذا أراد السابقون تحصيل الوحدة و الإطاعة إلّا أنّ الفريق الآخر يمنعونهم من ذلك، فإنّ الصحّة على هذا الفرض ليست من جهة السبق، بل لو كانوا هم اللاحقين لصحّت صلاتهم أيضاً.
فظهر أنّ نظر الفقهاء ليس إلى هذه الصورة، بل مرادهم من سبق إحداهما تحقّق السبق بعد الدخول في الصلاة، و أنّه يشترط حينئذٍ عدم العلم بجمعة اخرى، و لا يجب تحصيل العلم بعدم جمعة اخرى، بل يكفي العلم الشرعي بالعدم، و هو الاستصحاب، فعلى هذا يتعيّن ما في الروض، و يعلم يقيناً أنّه هو مراد الفقهاء، و ليس مرادهم أنّهم حين الدخول عملوا سبقهم؛ لأنّ الدخول حرام كما عرفت.
و لا يكفي عند الفقهاء عدم العلم بالسبق- كما في المدارك- كما كفى عندهم عدم العلم بجمعة اخرى؛ لأنّه يلزم على ذلك أنّ حصول العلم بجمعة اخرى غير مضرّ ما لم يحصل العلم بالسبق، و يلزمه صحّة الجمعات المتعدّدة الكثيرة في مكان واحد؛ إذ بعد العلم بالسبق يحصل جمعة صحيحة، فلا يصلّون اخرى، فتأمّل.
مع أنّ الشروط معتبرة عندهم في أوّل الصلاة، و أنّه لا تبرأ الذمّة إذا وقع الاشتباه في السبق. و أيضاً لو كان عدم العلم كافياً في الصحّة تكون الجمعتان صحيحتين قطعاً، و إلّا فكيف يكفي عدم العلم بالسبق مع أنّهم حكموا بفساد الجمعتين من جهة عدم العلم بالسابقة، و اختلفوا فيما يلزمهم إعادته هل هو الظهر أو الجمعة أو الجميع ( [١])؟
قلت: يمكن أن يكون إطلاق الأصحاب صحّة السابقة مبنيّاً على ما إذا لم يحصل ما ينافي نيّة القربة، بل المراد من حيث السبق و اللحوق مع اجتماع باقي الشرائط، فما كان فاسداً حينئذٍ من جهة اخرى خارج عن محلّ النزاع، فلا جهة حينئذٍ للتقييد بما سمعت، و لا للإيراد بأنّ اجتماع أهل الفرسخ لجمعة واحدة واجب على الجميع، و لا لغير ذلك ممّا سمعت.
أو يكون مبنيّاً على عدم شرطيّة السبق في صحّتها و إن كانت هي التي يحكم بصحّتها باعتبار حصول الأمارة الشرعيّة على صحّتها ظاهراً؛ ضرورة انعقادها صحيحة بوقوعها امتثالًا للأوامر المطلقة بها جامعة للشرائط فاقدة للموانع، فيكون حينئذٍ مقتضي الصحّة فيها محقَّقاً و المانع غير معلوم، فلا يصحّ حينئذٍ انعقاد الثانية؛ لعدم اجتماع جمعتين صحيحتين في المكان المفروض.
فليس اشتراط السبق فيها حينئذٍ على حسب الشرائط الثابتة بنصّ خاص حتى يحتاج إلى إحرازها في نيّة التقرّب التي يكفي فيها ظاهر الأمر و عدم العلم بسبق جمعة اخرى.
و لا منافاة بين توقّف الحكم بصحّة الجمعة المخصوصة على العلم بسبقها و بين صحّة الإقدام على التلبّس بها لظاهر الأمر و عدم العلم بسبق اخرى.
و كأنّه لا مفرّ للخصم ممّا ذكرنا فيما لو فرض مانع من حضور كلّ من الجماعتين مع الاخرى و من تباعدها. و احتمال التزامه بسقوط الجمعة حينئذٍ يدفعه: أنّه إسقاط للفرض بلا مقتض، بل ظاهر الإطلاقات و غيرها خلافه، فلا مناص حينئذٍ في هذا الحال عن صلاة الجمعة و جمع الظهر معها إذا لم يتبيّن له الحال، و ندرة الاقتران تدفعه، مع أصالة عدمه أيضاً، فتأمّل جيّداً.
[١] المصابيح ١: ٣١٧- ٣١٩. حاشية المدارك ٣: ٢١٥- ٢١٦.