جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٢٥ - حكم الإصغاء إلى الخطبة
و لا ريب أنّ الأوّل أحوط إن لم يكن أقوى، خصوصاً في الوعظ، إلّا أنّ الظاهر كون وجوبه مقدّمة للسماع لا تعبّداً لنفسه. فلو فرض حصوله له بلا إصغاء لم يكن عليه إثم. كما أنّ الظاهر وجوب ذلك للواجب من الخطبة خاصّة [١]. [و لا بأس بالقول بندب الإصغاء]. و كذا الظاهر اختصاص الوجوب بالقريب السامع، أمّا البعيد و الأصمّ فإن شاءا سكتا، و إن شاءا قرءا، و إن شاءا ذكرا [٢].
-
(١) للأصل، و عدم زيادة السماع على القول و إن كان لا مانع منه، إلّا أنّه لا مقتضي له إلّا ظواهر من النصوص و الفتاوى لا وثوق بإرادة الوجوب منها، و لا جابر لها بالنسبة إلى ذلك سنداً و دلالةً. فما في مصابيح الظلام من أنّ «الظاهر وجوب الإصغاء و حرمة الكلام من أوّل الخطبة إلى آخرها، لا في أقلّ الواجب من الخطبة خاصّة كما هو ظاهر الروايات» ( [١]) لا يخلو من نظر، و إن قيل:
إنّه مع ذلك ظاهر الأصحاب ( [٢])، و به صرّح في المبسوط فقال: «و موضع الإنصات من وقت أخذ الإمام في الخطبة إلى أن يفرغ من الصلاة» ( [٣])؛ إذ يمكن منع ظهور كلام الأصحاب في ذلك، خصوصاً مع قولهم بعدم وجوب إسماع غير الواجب من الخطبة. و الشيخ في المبسوط ممّن يقول بندب الإصغاء، و لا بأس به حينئذٍ.
(٢) نعم عن المنتهى: «هل الإنصات- يعني إنصات البعيد- أفضل أم الذكر؟ فيه نظر» ( [٤])، بل عن نهاية الإحكام احتمال وجوب الإنصات عليهما ( [٥])؛ لئلّا يرتفع اللفظ فيمنع غيرهما السماع. لكنّه كما ترى- بعد تسليم وجوب ذلك عليهما لذلك- خروج عن محلّ النزاع، فلا ريب في عدم الوجوب المبحوث فيه عليهما. بل في التذكرة: «أنّ الأقرب وجوب الإصغاء على العدد خاصّة» ثمّ قال: «و الأقرب حرمة الكلام إن لم يسمع العدد، و إلّا فالكراهيّة» ( [٦]). لكن قال أيضاً:
«التحريم- إن قلنا به على السامعين- يتعلّق بالعدد، و أمّا الزائد فلا، و للشافعي قولان، و الأقرب عموم التحريم إن قلنا به؛ إذ لو حضر فوق العدد بصفة الكمال لم يمكن القول بانعقادها بعدد معيّن منهم حتى يحرم الكلام عليهم خاصّة» ( [٦]) نحو ما عن المختلف و إرشاد الجعفريّة و مصابيح الظلام: «لا تخصيص لأحد بكونه من الخمسة دون غيره» ( [٨]). إلّا أنّه ناقشه في كشف اللثام بأنّه لا ينفي كفائيّة الوجوب ( [٩]). و هو كذلك لو كان ظاهر الأدلّة الوجوب على العدد خاصة. و في جامع المقاصد: «فإن قيل: وجوب الإصغاء و تحريم الكلام إمّا بالنسبة إلى جميع المصلّين فلا وجه له؛ لأنّ استماع الخطبة يكفي فيه العدد، و لهذا لو انفردوا أجزءوا، أو البعض و هو باطل؛ إذ لا ترجيح، قلنا: الوجوب على الجميع لعدم الأولويّة، و يكفي العدد في الصحّة، فلا محذور» ( [١٠]). و ظاهره اختصاص الشرطي خاصّة بالعدد، و تبعه عليه ثاني الشهيدين في المحكيّ عن روضته و مسالكه ( [١١]). و فيه: أوّلًا: أنّ الإجماع في التحرير و المحكيّ عن النهاية على عدم البطلان بالكلام ( [١٢])، بل ظاهر الأوّل أنّ الإصغاء كذلك أيضاً، قال: «قيل: الإصغاء واجب و الكلام حرام، و عندي فيه إشكال، لكن لا تبطل الجمعة معه إجماعاً». و ثانياً: أنّه ليس في الأدلّة ما يشهد للتفصيل المزبور، و مجرّد إمكانه لا يصلح مدركاً للقول به.
[١] المصابيح ٢: ٨٠.
[٢] مفتاح الكرامة ٣: ١٢٤.
[٣] المبسوط ١: ١٤٨.
[٤] المنتهى ٥: ٤٣١.
[٥] نهاية الإحكام ٢: ٣٨.
[٦] التذكرة ٤: ٧٦، ٧٩.
[٨] المختلف ٢: ٢١٦. نقله عن الجعفريّة في مفتاح الكرامة ٣: ١٢٣. المصابيح ٢: ٨٠.
[٩] كشف اللثام ٤: ٢٦٠.
[١٠] جامع المقاصد ٢: ٤٠٢.
[١١] الروض ٢: ٧٨٧. المسالك ١: ٢٤٤.
[١٢] التحرير ١: ٢٧٦- ٢٧٧. نهاية الإحكام ٢: ٣٨- ٣٩.