جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٩ - الفعل الكثير في الصلاة
و [لكن]: التحقيق أنّ البطلان بالفعل الكثير إنّما هو لفوات الموالاة بين الأفعال به [١].
-
(١) و لعلّه المراد بمحو الصورة، المذكور في كلام غير واحد من الأصحاب، بل هو مراد الفاضلين و من تبعهما من الشهيدين و غيرهما فيما علّلوا البطلان به من أنّه يخرج المصلّي به عن كونه مصلّياً ( [١])، و زاد في المحكيّ من المقاصد العليّة: «و يخيّل للناظر أنّه معرض عن الصلاة» ( [٢]).
بل قيل: إنّه اقتصر على ذلك في الموجز الحاوي و الميسيّة، و استجوده في كشف الالتباس، و حكاه في التذكرة عن بعض العامّة في تفسير الكثرة ( [٣]). و هو مشعر بعدم رجوعه إلى الخروج عن الصلاة الذي علّل به أوّلًا.
و لعلّه كذلك؛ ضرورة أعمّية تخيّل الناظر الإعراض من الخروج عن وصف الصلاة؛ إذ قد يتخيّل الناظر الإعراض لغلبة خلوّ أحوال الصلاة عن بعض الأفعال في أثنائها من المشي و نحوه و إن كانت قليلة أو لغير ذلك. و المراد بالخروج: أن يكون في نفس الأمر خارجاً عن وصف الصلاة مع الاطّلاع على حاله، لا أنّ الحكم بأنّه غير مصلٍّ لاشتباه من الحاكم في ذلك. و وجه البطلان حينئذٍ معه عدم تحقّق الامتثال معه. و إليه يرجع المحكي عن السرائر من أنّ «الكثير ما يسمّى في العادة كثيراً مثل الأكل و الشرب و اللبس و غير ذلك ممّا إذا فعله الإنسان لا يسمّى مصلّياً بل آكلًا و شارباً، و لا يسمّى في العادة مصلّياً، فهذا تحقيق الفعل الكثير الذي يفسد الصلاة، و يورد في الكتب في التروك و قواطع الصلاة فليلحظ ذلك» ( [٤]). قلت: يظهر منه أنّ المراد بالكثرة- التي يرجع فيها إلى العادة- ما أخرجت المصلّي عن كونه مصلّياً، فلعلّ مراد جميع من صرّح بالرجوع في الكثرة إلى العادة ذلك أيضاً، و هم الأكثر من أصحابنا، بل في التذكرة نسبته إلى علمائنا في مقابلة الشافعية، قال فيها: «لأنّ عادة الشرع ردّ الناس فيما لم ينصّ عليه إلى عرفهم» ( [٥])، لكن ربّما خدش ذلك بأنّه فرع تعليق الحكم في النص على الكثرة حتى يرجع فيها حينئذٍ إلى العرف و العادة، و ليس، كما اعترف به غير واحدٍ، و من هنا جعل المدار في المدارك تبعاً لُاستاذه ( [٦]) في الكثرة على محو صورة الصلاة و عدمه، قال فيها: «لم أقف على رواية تدلّ بمنطوقها على بطلان الصلاة بالفعل الكثير، لكن ينبغي أن يراد به ما تنمحي به صورة الصلاة بالكليّة، كما هو ظاهر اختيار المصنّف في المعتبر؛ اقتصاراً فيما خالف الأصل على موضع الوفاق» ( [٧]). قلت: لا يخفى عليك أنّ إرادة مطلق ما يحصل به المحو و إن قلّ من الكثرة موقوف على اصطلاح جديد، و المعلوم عدمه. و ما في المنتهى: «كلّما ثبت أنّهم (عليهم السلام) فعلوه أو أمروا به فهو من حيز القليل» ( [٨]). و في كشف اللثام: «رب كثير في العدد لا يسمّى في العرف كثيراً كتحريك الأصابع للعدّ أو غيره، و احتمل الإبطال في التذكرة، و ربّ فعل واحد يحتمل عدّه كثيراً في العرف كالوثبة الفاحشة، و لذا استشكل فيه في التذكرة و نهاية الإحكام» ( [٩]). يجب صرفه إلى غير ذلك، و إلّا كان محلّاً للنظر؛ ضرورة عدم تفاوت صدق الكثرة و القلّة في هذه الامور كلّها.
[١] المعتبر ٢: ٢٥٥. المنتهى ٥: ٢٩٣. الذكرى ٤: ٦- ٧. الروض ٢: ٨٨٨.
[٢] المقاصد العليّة: ٢٩٥.
[٣] الموجز الحاوي (الرسائل العشر): ٨٥. نقله عن الميسيّة في مفتاح الكرامة ٣: ٢٤. كشف الالتباس: الورقة ١٩٧. التذكرة ٣: ٢٨٩.
[٤] السرائر ١: ٢٣٨.
[٥] التذكرة ٣: ٢٨٩.
[٦] مجمع الفائدة و البرهان ٣: ٦٩.
[٧] المدارك ٣: ٤٦٦.
[٨] المنتهى ٥: ٢٩٤.
[٩] كشف اللثام ٤: ١٧٤.