جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٤٤ - حكم الجمعة في زمن الغيبة
................
-
هذا، إذا صلّيتم في جماعة ففي الركعة الاولى، و إذا صلّيتم وحداناً ففي الركعة الثانية» ( [١]). و غير ذلك على وجه يعلم إرادة بيان ذلك للرواة، و تعليمهم حال التمكّن من فعلها، مع عدم التقيّة.
و مع فرض الحرمة في زمن الغيبة- الذي منه زمن قصور اليد- تكون النصوص خالية عن الثمرة المعتدّ بها، بل ربّما كان تركها حينئذٍ أولى من وجودها، خصوصاً المشتمل منها على ما ينافي التقيّة كخبر الخطبة ( [٢]) و القنوت و غيرهما. و لو لا خوف الملل بالإطناب لذكرناها مفصّلة، و سيمرّ عليك في أثناء مباحث الباب جملة وافرة.
و ذكر بعض الاحتمالات في بعضها لا ينافي الظهور، كما أنّه لا ينافي القطع الحاصل بملاحظتها تماماً، و هي أكثر ممّا جمعها القائل بالوجوب العيني في ضمن المائتي رواية زاعماً دلالتها على مطلوبه، و ليست كذلك.
نعم لا ينبغي إنكار ظهورها في مطلق المشروعيّة، فتصلح ردّاً للقائل بالحرمة، بل لا بأس في دعوى تواترها في ذلك أو القطع بالحكم من جهتها؛ لكثرتها و اقترانها بامور كثيرة تشعر بذلك، خصوصاً بعد اعتضادها بالشهرة العظيمة نقلًا ( [٣]) و تحصيلًا، بل حصر غير واحد الخلاف في ابن إدريس و سلّار ( [٤])، بل ربّما حكي الإجماع على خلافهما، بل ربّما استظهر من المقاصد العليّة ذلك أيضاً ( [٥])، بل يمكن تحصيله مع التأمّل في كلمات الأصحاب و التتبّع، فلاحظ و تأمّل.
بل من النصوص المزبورة يعلم ما في دعوى أنّ أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) ما صلّوا الجمعة منذ قبضت أيدي أئمّتهم؛ ضرورة حصول القطع منها بوقوع ذلك منهم أحياناً حيث لا تقية، كما لا يخفى على من لاحظها مع التأمّل. و مع الإغضاء عن ذلك كلّه فدعوى القطع بالبراءة بفعل الظهر مع التحيّر و التردّد- لتصادم الأدلّة و تعارضها حتى على القول بوجوب الجمعة عيناً- في غاية الغرابة؛ ضرورة أنّه ليس في الأدلّة ما يقضي بوجوب الظهر على سائر المكلّفين حتى يعلموا الإذن في الجمعة، و كون الواجب سابقاً الظهر ثمّ بعد مدّة وجبت الجمعة لا يقضي بذلك قطعاً.
فلا طريق في الفرض المزبور إلّا فعلهما معاً احتياطاً يرتفع من جهته الحرمة التشريعيّة كما في غيره؛ إذ لا حرمة ذاتيّة في المقام قطعاً كي يحتاج إلى الترجيح بينهما بما ذكره المستدلّ ممّا يمكن معارضته بورود الحثّ الشديد و التوعّد على ترك الجمعة، و أنّها مشتملة على الدعاء لآل محمّد (عليهم السلام) و الوعظ و الزجر، و بأنّ فيها تأسّياً بفعلهم (عليهم السلام) لها زمن الظهور، و حفظ آثار سلطنتهم (عليهم السلام)، و التفؤّل بها، و غير ذلك من المصالح، و فعلها لاحتمال الوجوب لا غصب فيه قطعاً.
ثمّ إنّ النصوص الدالّة على المشروعيّة- المقتضية بإطلاقها عدم المنصوب الخاصّ- ظاهرة في أنّ ذلك حكم الجمعة في نفسه زمن صدور الأخبار، فلا حاجة حينئذٍ إلى إذن إمام الوقت (عليه السلام) كباقي الأحكام الشرعيّة.
و أظرف شيء دعوى احتمال خبري زرارة ( [٦]) و عبد الملك ( [٧]) الإذن لهما بالخصوص في إمامة الجمعة، مع عدم الإشعار فيهما بشيء من ذلك، بل ظاهرهما خلاف ذلك. كدعوى أنّ الأخبار قد صدرت زمن الظهور المعلوم تقييده بالنائب الخاصّ؛ إذ فيها: أنّ
[١] الوسائل ٦: ٢٧١، ب ٥ من القنوت، ح ٥.
[٢] الوسائل ٧: ٣١٠، ب ٥ من صلاة الجمعة، ح ٣.
[٣] جامع القاصد ٢: ٣٧٦.
[٤] السرائر ١: ٣٠٤. المراسم: ٢٦١.
[٥] المقاصد العليّة: ٣٥٨- ٣٥٩.
[٦] الوسائل ٧: ٣٠٩، ب ٥ من صلاة الجمعة، ح ١.
[٧] المصدر السابق: ح ٢.