جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٣١ - اشتراط إباحة مكان المصلّي
أمّا الأوّل، أي الذي قامت السيرة على التصرف فيه بدون مراعاة الإذن إذا علم كونه لمولّى عليه (١) فالتحقيق بناء الحكم في الفرض المزبور على السيرة، فإن كانت جاز التصرّف بلا مراعاة شيء من ذلك، و إلّا فلا.
و الظاهر تحقّقها في نحو الأراضي المتسعة و الأنهار و الطرق المرفوعة و أمثالها و إن علم كونها لمولّى عليه.
(و) كيف كان ف (- المكان المغصوب) الذي هو غير ما عرفت (لا تصح الصلاة فيه للغاصب و لا لغيره ممّن علم بالغصب و) كان مختاراً، ف (- إن صلّى عامداً عالماً) و الحال هذه (كانت صلاته باطلة) (٢).
(١) ففي الذكرى: أنّ «الظاهر الجواز؛ لإطلاق الأصحاب، و عدم تخيّل تحقّق ضرر لاحق به كالاستظلال بحائطه، و لو فرض ضرر امتنع منه و من غيره، و وجه المنع: أنّ الاستناد إلى أنّ المالك أذن بشاهد الحال، و المالك هنا ليس أهلًا للإذن، إلّا أن يقال: إنّ الولي أذن هنا، و الطفل لا بدّ له من وليّ» [١]. قلت: لا يخفى عليك ما فيه و إن تبعه غيره عليه؛ إذ لا إطلاق للأصحاب يطمأنّ به في إدراج هذه الصورة على وجه يصلح للعذر عن القول بغير علم، و عدم الضرر لا يبيح التصرّف في أموال الناس الذي ليس منه الاستظلال بالحائط؛ إذ هو انتفاع لا تصرّف، و قد يفرّق بينهما. و ما ذكره في وجه المنع يدفعه ما عرفت سابقاً من أنّه ليس بناء التصرّف على حصول الإذن، و إلّا لم يجز مع ظن عدمها أو الشك فيها، بل مبناه السيرة القطعية ما دام لم يعلم الكراهية، و أولياء الطفل منهم من له الإذن من غير اشتراط المصلحة، و آخر ليس له ذلك إلّا معها.
(٢) للإجماع محصّله و محكيه ٢ صريحاً و ظاهراً مستفيضاً إن لم يكن متواتراً. و لبعض النصوص المتقدمة [٣] في اللباس المنجبرة سنداً و دلالة بما عرفت، كبعض الأخبار [٤] الواردة في حلّ ما فيه الخمس من المساكن للشيعة لتصحّ عباداتهم، و لإجماع المسلمين على حرمتها فيها؛ لأنّ أكوانها- حركات و سكنات- بعض أفراد الغصب المعلوم حرمة، فيمتنع الأمر- الذي تتوقّف عليه صحة العبادة- بها؛ ضرورة امتناع اجتماع الأمر و النهي في شيء واحد شخصي عرفاً؛ لقبح التكليف بما لا يطاق عندنا، بل يمكن دعوى استحالة أصل التكليف هنا باعتبار عدم تصوّر تحقّق طلب الفعل و طلب تركه في وقت واحد من مكلّف واحد. و كون متعلّق الأمر هنا الصلاة و النهي الغصب- و هما كلّيان متغايران يجتمعان و يفترقان- لا يجدي في رفع اتحاد الحركة و السكون الخارجيّين اللذين هما محلّ تحقّق الكلّيين معاً و متعلّق خطاب اللّٰه، كما أنّه لا ينافي ما ذكرناه عدم كون التكليف بالكلّي تكليفاً بالفرد على ما هو التحقيق، بل و لا أنّ مقدّمة الواجب من التوصّليات التي يمكن حصولها بالمحرّم؛ إذ الظاهر أنّ نحو ما نحن فيه من أفراد أمثال هذه الكلّيات لا إشكال في تعلّق الأوامر بها تعلّقاً لا يحصل امتثاله بالمحرّم و التدقيقات الحكمية التي هي عند التأمّل خيالات وهمية، بل شبيهة بالخرافات السوداويّة لا يبنى عليها شيء من الأحكام الشرعيّة، على أنّه قد كتبنا و للّٰه الحمد رسالة مستقلّة في فسادها على التفصيل. فما وقع من جماعة من متأخّري المتأخّرين ممّن له انس ببعض التدقيقات الكلامية من القول بالصحة تبعاً للمحكيّ عن الفضل بن شاذان [٥]- المحتمل صدور ذلك منه للإلزام للعامّة على مقتضى قياسهم و اصولهم- في غاية الضعف بل الفساد، بل لو اغضي عن ذلك كلّه أمكن دعوى فهم أهل العرف من أمثال هذين الخطابين:- أي «صلّ» و «لا تغصب»- تحكيم خطاب النهي على الأمر، فيراد الصلاة حينئذٍ في غير المغصوب، كالعام و الخاص المطلقين، و تفصيل هذه الجملة ذكرناه في الاصول تحريراً و تقريراً، و الحمد للّٰه ربّ العالمين.
[١] ١، ٢ الذكرى ٣: ٧٩. الناصريات: ٢٠٥- ٢٠٦.
[٣] الوسائل ٥: ١١٩، ب ٢ من مكان المصلّي، ح ٢.
[٤] عوالي اللآلي ٤: ٥، ح ٢.
[٥] حكاه في الكافي ٦: ٩٤.