جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٠٣ - تحديد أواخر أوقات الصلاة
..........
و هو ظاهر في أنّ زرارة لم يكن مراده بسؤاله حدّ الإجزاء لصلاة الظهر.
و في هذا الخبر دلالة على تفسير الأمر بالإبراد- الوارد في بعض النصوص عن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم)- بما عرفت، خلافاً للمحكيّ عن الصدوق [١] من تفسيره بإرادة الاستعجال بها من البرد.
و خبرا محمّد و أحمد- مع ما فيهما أيضاً من بعض المناقشات السابقة، و مخالفتهما لما يقوله الخصم- لا صراحة فيهما بل و لا ظهور في الاختياري خاصّة، بل إرادة الفضيلي منهما أولى من وجوه.
و كذا خبر إشارة جبرئيل (عليه السلام)، مع دلالته على الفعل بعد القامة.
و أمّا قوله (عليه السلام) فيه: «و ما بينهما وقت»- مشعراً بعدم الوقت في غيره- لا بدّ من تأويله عندنا و عند الخصم، و حمله على الفضيلة أولى من الاضطرار كما هو واضح.
كلّ ذلك مع ما في تعداده العذر و الضرورة من الإجمال الذي لا ينبغي توقيت مثل الصلاة به، بل لو أنصف المتأمّل فيما ورد من النصوص الدالّة على جواز التأخير لأحد أفراد العذر و الضرورة لعلم منه نفسه- فضلًا عن غيره- أنّ ذلك وقت للصلاة أيضاً، إلّا أنّه لشدّة أمرها و أنّها عمود الأعمال لا ينبغي تأخيرها عن وقتها الفضيلي إلّا لعذر أو ضرورة، لا أنّ الوقت قد انقضى و هذا توقيت آخر لهذا الصنف من المكلّفين؛ و إلّا لوجب على الشارع تفسير العذر و الضرورة التي يسوغ تأخير الصلاة لأجلها، و تحديد الوقت و ضبطه، و لشاع ذلك و ذاع؛ لتكرّر الصلاة و عظم أمرها و وجود الداعي لمعرفة مواقيتها، لا أنّه يكتفي في ذلك بمثل هذه العبارات المجملة التي لا يكتفى فيها بالنسبة إلى الأقلّ من الصلاة فضلًا عنها. بل المستفاد من الأخبار الاكتفاء بأدنى عذرٍ في التأخير، فعند التأمّل الصادق ذلك هو الدليل على المطلوب؛ لأنّ مطلق الواجب- فضلًا عن الصلاة- لا يسوغ تفويته إلّا لضرورة، بل ظنّي أنّ المخالف مراده ذلك أيضاً، و إن عبّر بما يقرب من مضامين النصوص لقِدَمه و معروفيّة التعبير في تلك الأوقات بمثل ذلك.
و يؤيّده ما في التهذيب قال: «إذا كان أوّل الوقت أفضل و لم يكن هناك منع و لا عذر فإنّه يجب فعلها فيه، و من لم يفعلها فيه استحقّ اللوم و التعنيف، و هو مرادنا بالوجوب، و لم نرد به هاهنا ما يستحقّ بتركه العقاب؛ لأنّ الوجوب على ضروب عندنا، منها: ما يستحقّ تاركه العقاب، و منها: ما يكون الأولى فعله و لا يستحقّ بالإخلال به العقاب و إن كان يستحقّ به ضرب من اللوم و العتب» [٢]، و قال في المبسوط في آخر الفصل: «إنّ الوقت الأوّل أفضل من الوسط و الآخر، غير أنّه لا يستحقّ عقاباً و لا ذمّاً، و إن كان تاركاً فضلًا إذا كان لغير عذر» [٣]. و من العجيب بعد ذلك نسبة [٤] هذا القول إلى الشيخ في جميع كتبه، و قال فيما حكي من نهايته: «لا يجوز لمن ليس له عذر أن يؤخّر الصلاة من أوّل وقتها إلى آخره مع الاختيار، فإن أخّرها كان مهملًا لفضيلة عظيمة و إن لم يستحقّ العقاب؛ لأنّ اللّٰه تعالى قد عفا له عن ذلك» [٥]، قيل: و نحوه عن القاضي في شرح الجمل [٦]. و قال فيما حكي عن عمل يوم و ليلة أيضاً: «لا ينبغي أن يصلّي آخر الوقت إلّا عند الضرورة؛ لأنّ الوقت الأوّل أفضل» [٧]. و هي- كما ترى- صريحة فيما
[١] الفقيه ١: ٢٢٣. ذيل الحديث ٦٧٢.
[٢] التهذيب ٢: ٤١، الحديث ١٣٢.
[٣] المبسوط ١: ٧٧.
[٤] السرائر ١: ١٩٦.
[٥] النهاية: ٥٨.
[٦] كشف اللثام ٣: ٢٣.
[٧] عمل يوم و ليلة (الرسائل العشر): ١٤٣.