محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٠ - الخطبة الأولى
ولقد تحدّث المعصومون عليهم السلام في المنقول عنهم في موضوع الأنس، فما أحوجنا إلى الإصغاء إلى ذلك الحديث.
تقول الكلمة عن علي عليه السلام:" الجاهِلُ يَسْتَوْحِشُ مِمّا يَأنَسُ بِه الحَكيْمُ" ١.
للجاهل مستوى، وللحكيم مستوى، والجهل هنا خلاف الحكمة، وليس ما يقابل العلم.
النفس الصغيرة تعيش هموماً وتعيش تطلّعات تختلف عما تعيشه النفس الكبيرة. هنا أماني وهناك أماني أخرى، هنا طموحات، وهناك طوحات أخرى. مشتهيات مختلفة لرؤى مختلفة، ومستويات نفسية مختلفة. قد يأنس الحكيم بخسارة تصيبه في ماله ولكنها تفيده درسا في نفسه وروحه، بينما تأتي هذه الخسارة مصيبة كبرى على الجاهل، تنتهي عنده كل لذائذ الحياة تحت وطأة أثرها.
" لا يؤنسنك إلا الحق، ولا يوحشنك إلا الباطل" ٢ وذلك على الاطلاق
الباطل يعطيك من أرباح الدنيا ما يعطيك، ويرفع شأنك في الناس، ويدفع بشهرتك إلى الأمام، ولكن عليك أن تستوحش نفسك وتنفر منه، والنفس الشريفة تنفر من هذا الباطل الذي أعطى كل هذه النتائج الإيجابية في نظر الآخرين.
وقد أدخلك السجن، وعلق رقبتك في المشنقة اقبله، واستأنس به، وإذا كان أحدنا يملك نفسا ربّانية فإنّه سيجد لذّة في مشنقة، يعلم أن ما جاء بها إنما هو تمسكه بالحق. نعم سيعيش لذة روح وإن كان في معاناة من ألم الجسد.
" الاسترسال بالأنس يذهب بالمهابة" ٣.
الترسّل، والتبسّط نتيجة قد تحدث بين أهل الألفة والأنس المتبادل، وكلما استرسل الإنسان في الكلمة وتبسّط، وترخّص في التصرّف ذهب من مهابته ما يذهب. والضحك، والترخّص والتبذل في بعض الأفعال وإن لم يصل الأمر فيها إلى حدّ الحرمة وسوء الأدب من شأنه أن يثلم من هيبة الرجل.