محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٣٤ - الخطبة الأولى
ولا يصح في عقل ولا حكمة أن تقام الحياة كلها؛ حياةُ فرد أو مجتمع، أو أمة على قاعدة الشك؛ فالشك حالة من القلق والاهتزاز وعدم الرؤية الذي لا تضمن معه سلامة العواقب، ولا تؤمن مخاطر الطريق ومفاجئاته.
وإنَّ المعاد لعقيدة من عقائد الإسلام الرئيسة، وأساس من أسسه الثابتة التي بنى عليها تربيته ونظامه، وأولاها العظيم من اهتمامه، وأعطاها مساحة عريضة من البيان والتذكير، والإنذار والتبشير في قرآنه وسُنَّته، وفي بناء عقلية الإنسان المسلم وتوجّهه واهتمامه، وأسهمت كثيراً، وبدرجات عالية في إنجاح المنهج، والاستقامة بالإنسان على الصّراط، وتخريج الشّخصية الإنسانية القويّة السّويّة التي تتعامل مع الحياة بكفاءة، وروحٍ عالية منتِجة مبدعة من غير أن تسقط أمام محن الدنيا وإغراءاتها، أو تضعف أمام التّحديات والأزمات والكوارث، أو تضيقَ بما يحدث من ذلك لتكفُر بقيمة ذاتها، أو انتمائها، أو التزامها، وتخسر من وزنها أيَّ شيء، أو يكبُرَها شيء مما تملكه يدُها أو يدُ الآخرين.
والنّاس بين هادف للدّنيا، وهادف للآخرة، وصاحب الدنيا تارك للآخرة، مفسدٌ لها على نفسه، ومضرٌّ بدنيا غيره، وربما جمع كثيراً، وانتفع بما جمع قليلًا. أمّا طالب الآخرة فساع في الدّنيا بما يصلحها، آخذٌ منها ما ينفعه، معرض عما فيه ضرره، وضرر الآخرين.
إنّ هدف الآخرة لا يُلغي نشاط الدُّنيا ولا يخربها وإن قلّل من فضولها، وصان مما يضرّ منها، أما هدف الدّنيا فيُلغي الآخرة ويفسدها، ويقطع الطريق على صاحبها.
ولنأخذ هدى من هدى القرآن الكريم والسنة في مجال قضية المعاد وتفريعاتها.