محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٣٢ - الخطبة الأولى
أما بعد فالموضوع هو المعاد:
في المعاد نعود للحياة بعد الموت، وتعود القلوب عارفة بالله، موحّدة له، لا تشرك به شيئاً، ولا تجعل له ندّاً، ولا ترى معه فاعلًا، ولا لما قدّم مؤخّراً، ولا لما أخّر مقدِّماً، ولا من غيره ضارّاً أو نافعاً، ولا تعتقد تعويلًا على غيره، ولا تُوكِل أمراً من أمرها إلى من سواه، وكلّ خوفها منه، ورجائها فيه، وتعلّقها به، وأملها في رحمته، ونظرها إلى عفوه ومغفرته؛ تعود القلوب كذلك كما كانت على فطرتها، ويوم خَلَقها بعد أن زاغ منها ما زاغ، وضلّ ما ضلّ، وارتاب ما ارتاب في الحياة الدنيا لمزاحِمات الإيمان، ومكدِّرات الأرواح، وبواعث الفساد من شيطان مضلّ، وهوىً في النفس، وغوى في الخارج، وفتن تعترض الطريق، وابتلاءات طاغية، ومزالق خطيرة مهلكة لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ١.
تعود الرؤية يوم القيامة واضحة جليَّةً مديدة غير قاصرة، قوية غير ضعيفة، مستقيمة غير منحرفة لا ترى لله سبحانه وتعالى عديلًا، ولا مثلا ولا ولدا، ولا تجد من دونه إلاهاً أبداً، وتراه واحداً أحداً فرداً صمداً.
وفي ضوء عقيدة المعاد والآخرة تتخذ الحياة الدنيا في وجود النّاس مساراً، وبعيداً عنها تتخذ مساراً آخر، وما أبعد ما بين المسارين، وما أشدّ التباين بين طبيعتهما، وأخلاقيتهما، ومنهجهما، وآثارهما في العقول والنفوس والسياسة، والاقتصاد، والاجتماع، وكل أوضاع الحياة.