محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٦٣ - الخطبة الثانية
ذلك، وهمّها الأول يتركّز على ذاتها الحضارية، وقيمة انتمائها. إنها لتفدي نفسها رخيصة للدين قبل اللقمة ٣٢.
حقيقة صارخة لا يمكن أن تتنكر لها أمريكا ولا غير أمريكا وهي أن الشعوب المجوّعة، والشعوب المظلومة ما عادت تقبل الواقع السيء الظالم، وهي تصرّ دائما على الانتفاضة أمام هذا الواقع، وعلى تغيير هذا الواقع، وإن دعمته أكبر قوّة عاتية في الأرض.
والدرس الذي يجب أن تتلقاه كل الحكومات هو أن اعتماد أسلوب القوة لإسكات الشعوب مع استمرار النهب والغصب والاستيلاء الظالم على مصادر الثروة، واقتسام المال العام بين نفر قليل، أو العمل على مصادرة الحق الديني، ومعاداة دين الأمة، والتعاون مع أعدائها على إضعافه شيء فاشل لا يؤدّي إلا إلى مزيد من الخسائر المشتركة، وقواصم الظهر العامَّة، وإغراق الأوطان في الكوارث والمأساة.
الحكومات التي تعتبر أن اليابسة لها، والبحر لها، وما تحت الأرض وما عليها لها تهبُ من كل ذلك ما تشاء لمن تشاء، وتمنع من تشاء بغير حساب، ولا ضابطة من شرع، ولا قانون، ولا عرف تكونُ قد اختارت الصّراع مع شعوبها حالة دائمة، واستخدام قسط كبير من ثروات الأوطان وتضييعه لقمع الشعوب في هذا الصراع، وكتبت على شعوبها خوض معركة مفروضة عليها من قبل تلك الحكومات.
والحكومات الجادّة في إيقاف حالات العنف- والعنف ضارّ بالجميع- والمستهدفة درءها حقاً لا يمكن أن تؤجج حالة العنف، أو تدفع إليها، أو تؤسس لها بالتلاعب بالثروة الطبيعية العامة، وتوزيعها على عدد قليل من أهل الثروات العملاقة لتوقع عامة الناس في مأزق خانق وضائقة حادّة في المعاش والمسكن تفرض عليهم أن يجهروا بصوت المظلومية والاحتجاج، وأن يُشدّدوا النّكير، ويطلبوا الخلاص من أي طريق تنفتح نافذة الفرج منه.