محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٥٥ - الخطبة الأولى
وعقيدة الحساب عقيدة مربّية على الخير، حاجزة عن الشر، موجهة للحياة، مصلحة لها، آخذة بها على طريق الهدى والنجاح والفلاح.
والنعم الإلهية عند العبد وهي لا تعد ولا تحصى إما محفوظة قد وضعت في موضعها الصحيح النافع حسب مقتضى العقل والدّين والوجدان السليم، فتكون في خير الإنسان وصالحه، وكماله وسعادته ورضى ربّه، وإما مهملة مضيَّعة معطّلة فيُحرَمُ من وُهِبت له خيرَها، وتكون عليه حسرة بما ضيَّعها، وإمّا محرّفة عن مواضعها، موظَّفة في المعصية، مصروفة في الإساءة فتعود على من أعطيت له بالسوء والشقاء. وربما عمّ بذلك منها الضرر، وفشى في حياة الناس بها الخراب. وفي ذلك سخط المنعم، واستيجاب العقوبة. ٢
وفي كل طرفة عين من العمر نعمة، وفي كل دقة قلب نعمة، وفي كل نسمة هواء نعمة، وفي كل جارحة نعمة، وفي كل لقمة نعمة، وفي كل شربة ماء نعمة، وفي كل لحظة أمن، وصحة نعمة، وفي كل سبب من أسباب الحياة نعمة. ولا نعيش لحظة من لحظات العمر إلا بما لا يحصى من أسباب موفّرة، وموانع مدفوعة، ولا مسبِّب لسبب من تلك الأسباب، ولا دافع لمانع من تلك الموانع إلا الله الحميد المجيد المتعال. ٣
فَكَم على الإنسان يوم القيامة أن يتلقَّى من الحساب، وكم عليه أن يجيب إذا كان السؤال مستقصياً، والحساب مستوفياً؟! وما هو مقدار ما تحتمله نفس هذا الإنسان الضّعيف الهلوع وفي اليوم المهول من حَرَج السّؤال، وثقل الحساب، وشدّة الموقف، ومرارة الجزاء؟!
إذا كان السؤال عن كل لحظة من لحظات عمر التكليف، وعن كل نعمة تلقّاها العبد من فيض الربّ، وعن كل عمل اجترحناه، وعن كل فَلْسٍ اكتسبناه وأنفقناه، وعن كلّ قصد وراء ما نعمل فما أكثر السّؤال، وما أحرج الجواب؟!! إننا ننتظر كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها فما أشدَّ يومَ الحساب!! ٤
ولنقف هنا على عدد من نصوص المسؤولية في الكتاب الكريم، والسنة الشريفة: