محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٢٩ - الخطبة الأولى
وحين يطلق المؤمن نداءّه لقومه باتباعه ليهديهم سبيل الرشاد الذي يجد مصداقاً واضحاً له في تقديم الآخرة على الدّنيا، واستثمار الدنيا من أجلها، يقدِّم الدليل الكافي على صدق هذا النداء، وحقّانيته وهو الدليل الذي تبنّت طرحه هذه الآية الكريمة: يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَ إِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ.
فحجمُ الدنيا ووزنُها أنها دارُ انتفاعٍ يسير، ومتعةٍ قليلة عابرة يشوبها ما يشوبها من ألوان الآلام والشّدائد والمُكدّرات، أمّا الآخرة فهي دار القرار عذابُها دائم أليم، ونعيمها خالد مقيم، ولا نهاية لها ولا انقطاع. ٧
والإنسان إمّا أن يكون على يقين بالآخرة، أو ظن، أو احتمال، ولا يملك أحدٌ من النّاس وهو في هذه الحياة وتحت حكم تجربتها، ولم يشاهد من أمر الآخرة وهو في دنياه شيئاً أن يحكم عليها بالانتفاء. ٨
وإذا كانت الآخرة محتملة على الأقل وبما لها من امتداد لا يعرف الانقطاع، ونعيم لا مثيل له، وعذاب لا يوصف، ولا تحتمله نفس فأين الرُّشدُ حَسْبَ الفطرة والعقل وحساب المصلحة والمفسدة، وفي الحكمة والنّظر العُقلائي؟! الرُّشدُ في تقديم الدنيا على الآخرة، والدنيا لا يبقى من لذائذها ولا متاعها شيء، وكلُّ يوم يمضي منها يقترب بالإنسان إلى حياة أبدية كلها عذاب لمن طغى واستكبر ولو حَسْبَ الاحتمال عند من لا يؤمن بيوم الحساب؟! أم الرُّشد في الأخذ من هذه الدنيا ما ينفع دون ما يضرّ، وما يُصلِحُ دون ما يُفْسِد، وفي العمل صالحاً طاعة لله سبحانه ليستقبل المرء حياةَ الأبد المُقْبِلة بقلب مؤمّل مطمئن آمن؟!