جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٣ - أحدهما يبطلها عمداً و سهواً
................
-
فكأنّه أكّد انتقاضه بأنّه في حكم مرفوع الحدث، و لذا يبني على ما صلّاه بالتيمّم. أو لعلّه (عليه السلام) كان قد علم أنّه يريد السؤال عن إعادة ما صلّاه بالتيمّم، أو لأنّه لا يعلم العدم، أو يظن الإعادة فأراد إعلامه.
و بالجملة: يجوز أن لا يكون قوله (عليه السلام): «يبني» من جواب السؤال و لا السؤال عن حال صلاته تلك، و لا يمكن الحكم بالبُعد لمن لم يحضر مجلس السؤال، و لا علم حقيقة المسئول عنه.
و يمكن قراءة الخبرين «احدث» بالبناء على المفعول على معنى امطر، أي أصابه حادث سماويّ، كما يومئ إليه تفريع الإصابة عليه بالفاء، و يكون ذلك كناية عن انتقاض الصلاة برؤية الماء، فيعارضان حينئذٍ النصوص ( [١]) الدالّة بخلافهما ( [٢]) المرجَّحة عليهما بوجوه مذكورة في باب التيمّم.
و بالجملة: يخرجان حينئذٍ عمّا نحن فيه.
و لا ينافي ذلك ما في صدر أحدهما من الحكم بعدم الانتقاض برؤية الماء إذا كان قد صلّى ركعتين معلّلًا بالاستصحاب؛ إذ لعلّه يفرّق بين الركعتين و الركعة، خصوصاً إذا كانت ثنائيّة و قد تمّت أركانها بتمام الركعتين، فيكون هذان الخبران حينئذٍ كأخبار الحدث قبل التشهّد؛ لأنّ رؤية الماء ناقضة كالحدث، و ترك سؤال زرارة عن الفرق بين الاستصحاب في الركعتين و الركعة لعلمه بحقيقة الحال، خصوصاً و هو ممّن روى الحديث ( [٣]) بعد تمام الرّكعات قبل التشهّد الأخير كما سمعته سابقاً.
بل من ذلك قد ينقدح في الظنّ شيء آخر هو أنّ المصلحة قضت بإيداع مثل زرارة و محمّد بن مسلم و نحوهما من أكابر الرواة الحكمَ بعدم بطلان الصلاة بتخلّل الحدث في أثنائها- الذي قد عرفت موافقته للعامّة- للستر على الشيعة و حفظاً لدمائهم.
بل لعلّ الفقيه- مع التأمّل في جميع ما ذكرناه سابقاً، و معروفيّة بطلان الصلاة بتخلّل الحدث في أثنائها بين أطفال الشيعة، حتى عدّ الحكم بالصحّة مع ذلك من منكرات العامّة و بدعهم- يجزم أنّ هذه النصوص جميعها خرجت هذا المخرج.
و ما أدري ما السبب الذي دعا بعض الناس إلى طرح النصوص السابقة و عدم الالتفات إليها أبداً، خصوصاً أخبار الحدث قبل التشهّد، و الرّكون إلى هذين الصحيحين ( [٤])؟! و كون التعارض بالإطلاق و التقييد مشترك بينهما و بين أخبار التشهّد.
و الاعتبار المذكور في كلام المحقّق في غاية الضعف ( [٥])، و إلّا لاقتضى جواز التيمّم و البناء إذا لم يصب الماء، بل ربّما كان الاعتبار يرجّح الأخيرة؛ ضرورة اجتماع الناقضين المقتضيين لبطلان التيمّم المستلزم لبطلان الصلاة كما عرفت، بخلافه في المائيّة قبل التشهّد.
فالمتّجه الجزم برفض هذين الصحيحين و الحكم بشذوذهما، كما هو واضح لكلّ من رزقه اللّٰه معرفة اللسان، و ميّزه بفهم كلام أوليائه من بين أنواع الإنسان، و اللّٰه أعلم.
[١] انظر الوسائل ٣: ٣٨١، ب ٢١ من التيمّم.
[٢] الأولى التعبير ب«على خلافها».
[٣] في بعض النسخ بدلها: «الحدث».
[٤] المدارك ٣: ٤٥٩.
[٥] المعتبر ١: ٤٠٧.