جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٩٣ - اعتبار المسافة بين الجمعتين
................
-
العلم و الظنّ المذكور؛ لأنّ النهي إنّما وقع عن الصلاة اللاحقة و المقارنة، فيجب التحرّز عمّا جاز فيه أحد الأمرين، و على الثاني يكفي في صحّة الصلاة عدم العلم بكونها لاحقة أو مقارنة، مع أنّ الراجح الأخير.
لأنّا نقول: المستند في اعتبار العلم أو الظنّ حصول الأمر بجمعة لا تكون مقارنة و لا لاحقة، و امتثال هذا التكليف يستدعي العلم أو الظنّ بانتفاء الوصفين، و ليس المستند مجرّد النهي عن الجمعة المقارنة و اللاحقة حتى ينسحب فيه التفصيل. و الظاهر أنّ المستفاد من الأخبار ( [١]) الدالّة على وجوب وحدة الجمعة أنّه متى تحقّق جمعتان يجب أن يكون بينهما المسافة المذكورة، فالتكليف بوجوب اعتبار المسافة بين الجمعتين أو اعتبار السبق إنّما يتحقّق إذا حصل العلم بوجود جمعة اخرى كما هو شأن الأمر المعلّق بالشرط، فالمأمور به صلاة جمعة يراعى فيها هذه الشرطية، و على هذا لا يلزم في امتثال التكليف العلم أو الظنّ بانتفاء جمعة اخرى سابقة أو مقارنة.
نعم يعتبر العلم أو الظنّ بعدم السبق أو المقارنة، أو حصول المسافة عند العلم بحصول جمعة اخرىٰ لا مطلقاً. و بالجملة:
لا يتّضح دلالة الأخبار على أكثر من ذلك، فتدبّر».
ثمّ قال: «و يبقى الإشكال أيضاً في صورة يظنّ الفريق الأوّل حصول جمعة متأخّرة مع عدم علم أصحابها بالجمعة المتقدّمة، و حينئذٍ فالحكم بصحّة السابقة لا يصفو عن كدر الإشكال» ( [٢]).
و قد أطنب الاستاذ الأكبر في شرح المفاتيح و المحكيّ من حاشيته على المدارك في الانتصار لما سمعته عن الروض، و المناقشة للذخيرة و المدارك، مدّعياً أنّه مراد الأصحاب.
فقال ما حاصله: إنّ البعد بثلاثة أميال شرط في الواقع، فإذا صلّى الفريقان في الأدون على التعاقب مع علم كلٍّ من الفريقين بصلاة الآخر فلا بدّ في صحّة السابقة من علم أصحابها بالسبق، و لا يكفي الظنّ؛ لعدم الدليل على حجّيته، بل الأصل و العمومات قاضيان بعدمها، و العلم بالسبق مع البعد في الجملة من المحالات العاديّة، و لا يمكن تحقّقه إلّا في صورة صدور [جمعة] كلّ واحد من الفريقين بمحضر من الآخر، و حينئذٍ فدخول السابقين في الصلاة حرام؛ لكونه مفوّتاً للواجب الذي هو تحصيل الوحدة في الجمعة فيما دون ثلاثة أميال؛ لأنّ السابقين و اللاحقين مخاطبون بتحصيل الوحدة التي هي شرط، و هي واجبة، كما هم مخاطبون بإتيان الجمعة، و ليس الخطاب مختصّاً بفريق دون آخر، فإذا بادر فريق فربّما لم يتيسّر للآخر الدخول معهم، فتصير المبادرة منشأ لترك الفريضة، فيجب على السابقين ترك السبق حتى يتفق اولئك معهم، و تحصل الوحدة التي قد خوطبوا بها جميعاً. قولكم: إنّ إمام الفريق اللاحق يصير فاسقاً. جوابه: أنّ إمام السابقين كذلك؛ لعدم امتثاله الأمر بالوحدة.
فإن قلت: لعلّ كلّ فريق لا يعتقد بإمام الفريق الآخر.
لأنّا نقول: إن كان كلّ فريق منهم يحكم ببطلان صلاة الآخر خرجت المسألة عن فرضها؛ لأنّ ما نحن فيه إنّما هو وقوع جمعتين صحيحتين عند الجميع لو لا السبق و اللحوق، و لذا لم يتعيّن صحّة صلاة فريق منهم إلّا بالسبق.
[١] انظر الوسائل ٧: ٣١٤، ب ٧ من صلاة الجمعة.
[٢] الذخيرة: ٣١٢- ٣١٣.