جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٤٦ - المسألة الثانية تبيّن الخطأ في القبلة
..........
عرفت أنّه ليس في البلاد ما قبلته عين المشرق أو المغرب، فهو على عمومه، لكن يشترط أن لا يكون دبر القبلة» [١]، و لو لا ما تسمع من كلامه أمكن أن يريد اختصاص ما بينهما بذلك، لا أنّ المنزّل منزلة القبلة هو لا غير.
و ربّما يومئ إلى ما ذكرنا تعبير أكثر القدماء باليمين و اليسار الذي نصّ بعضهم على أنّه أشمل من التعبير بالمشرق و المغرب.
بل قيل [٢]: لم يعبّر أحد قبل الفاضلين بالمشرق و المغرب، بل في الذكرى: «أنّ ظاهر كلام الأصحاب أنّ الانحراف الكثير ما كان إلى سمت اليمين و اليسار أو الاستدبار؛ لرواية عمّار» [٣]، و ذكر خبره الذي أسمعناكه. لكن في كشف اللثام بعد حكاية ذلك عنه:
«و هو مبنيّ على كون المشرق و المغرب يمين القبلة و يسارها، و إنّما يتمّ بالمعنى الذي أراده، و هو اليمين أو اليسار المقاطع لجهة القبلة على قوائم في بعض البلاد، و الأخبار مطلقة، و بلد المخبر [٤] و الراوي فيها أيضاً منحرف عن نقطة الجنوب إلى المغرب، و لم أرَ ممّن قبل الفاضلين اعتبار المشرق و المغرب، و ليس في كلامهما ما يدلّ على مرادفتهما لليمين و اليسار، و ملاحظة الآية- أي قوله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ) [٥]- و الأخبار ترفع استبعاد أن يكون الانحراف إليهما كثيراً و إن لم يبلغا اليمين أو اليسار، و الانحراف إليهما يسيراً و إن تجاوز المشرق و المغرب. و أمّا اليمين و اليسار فهما مذكورتان في الناصريّات و الاقتصاد و الخلاف و الجمل و العقود و المصباح و مختصره و الوسيلة، و لكن لا يتعيّنان للجهتين المقاطعتين للقبلة على قوائم، و إنّما تظهر مباينتهما للاستدبار، و هي أعمّ، لكنّ الاستدبار يحتمل البالغ إلى مسامت القبلة و الأعمّ إلى اليمين أو اليسار، فإن أرادوا الأوّل شمل اليمين و اليسار في كلامهم كلّ انحراف إلى الاستدبار الحقيقي المسامت، و إن أرادوا الثاني شملا كلّ انحراف إلى اليمين و اليسار المقاطعتين على قوائم لا ما فوقهما، و ذلك لأنّهم لم يفصّلوا الانحراف إلّا بالاستدبار و اليمين و اليسار» [٦].
قلت: بناءً على ما ذكرناه سابقاً في كلامهم- من عدم إرادتهم ما بين اليمين و اليسار، و أنّه قبلة عندهم- يتعيّن على الثاني إرادة الانحراف إليهما نفسيهما، لا كلّ انحراف و إن لم يصل إليهما. و الذي يختلج في البال بناء هذا التنزيل على التسامح و التوسعة بإرادة جهة المشرق و المغرب لكلّ أحد تكون قبلته في هذا السمت، فلا فرق حينئذٍ بين من انحرفت قبلته عن نقطة الجنوب و الشمال و غيرهما، و لا بين الاعتداليّين من المشرق و المغرب و غيرهما؛ إذ المراد التوسعة في أمر الجهة في بعض الأحوال.
لكن و مع ذلك فالاحتياط لا ينبغي تركه بحال.
و كيف كان، فقد ظهر لك ممّا قدّمناه سابقاً أنّه كان مقتضى الأصل- المستفاد من إطلاق ما دلّ على شرطيّة القبلة- الإعادة في الوقت و خارجه بأدنى انحراف، إلّا أنّه لمكان ما سمعته من النصوص و غيرها المعارضة لذلك خرجنا عنه إلى ما عرفت.
لكن ينبغي الاقتصار فيها على ما هو المعتبر من دلالتها عليه، و إلّا بقي على الأصل الأوّل.
[١] كشف اللثام ٣: ١٧٨.
[٢] كشف اللثام ٣: ١٧٩.
[٣] الذكرى ٣: ١٨٠.
[٤] في المصدر: «الخبر».
[٥] البقرة: ١٧٧.
[٦] كشف اللثام ٣: ١٧٩- ١٨٠.