جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٤٥ - وقت صلاة الليل
..........
في التقديم للضرورة، كما أشار إليه جماعة، منهم الصدوق فيما حكي عنه، قال: «و كلّ ما روي من الإطلاق في صلاة الليل من أوّل الليل فإنّما هو في السفر؛ لأنّ المفسَّر من الأخبار يحكم على المجمل» [١].
و زاد في التهذيب: ما لو غلب على ظنّ الإنسان أنّه إن لم يصلّها فاتته أو يشقّ عليه القيام في آخر الليل و لا يتمكّن من القضاء فحينئذٍ يجوز تقديمها [٢].
و لا بأس به، و ربما يرشد إليه الخبر: كتبت إليه في وقت صلاة الليل، فكتب: «عند الزوال و هو نصفه أفضل، فإن فات فأوّله و آخره جائز» [٣]؛ إذ هو- مع تضمّنه التوقيت بالزوال في جواب السؤال و التعبير بلفظ «الفوات»- صرّح بالأفضليّة الظاهرة في الاشتراك، فلا يبعد إرادة ما لا ينافي الأوّل منها؛ إذ احتمال العكس- و هو تنزيل أخبار التنصيف على الفضيلة، و الموثّقين و غيرهما على التوقيت بتمام الليل- ضعيف جدّاً، مخالف لقواعد الفقه، بل و لما هو كالمقطوع به، خصوصاً بعد ما سمعت من الإجماعات.
بل في خبر أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) المروي عن تفسير عليّ بن إبراهيم: «اعلموا أنّه لم يأت نبيّ قطّ إلّا خلا بصلاة الليل، و لا جاء نبيّ قطّ بصلاة الليل في أوّل الليل» [٤].
و المراد بقوله: «إلّا خلا» أي مضى من الدنيا مواظباً عليها، و يحتمل أن يكون من الخلوة، أي أوقعها في الخلوة، و ما عن بعض النسخ «إلّا أوّل الليل» زيادة من النسّاخ، أو يكون المراد أنّه كان وقت صلاتهم مخالفاً لوقتها في هذه الشريعة، بل يمكن الاستدلال بآية المزّمل [٥] على المطلوب بناءً على بعض الوجوه فيها، بل لعلّه أوجه ما قيل فيها، و يشهد له بعض الأخبار [٦] الواردة في تفسيرها و غيره، و ذكر تمام الكلام فيها يقضي بإطناب تامّ و خروج عن مقتضى المقام؛ لأنّها من الآيات المتشابهة التي لا يعلم تفسيرها إلّا اللّٰه و الراسخون في العلم كما اعترف به المجلسي في البحار [٧]، بل لا يخفى على من لاحظ الكشّاف [٨] و البيضاوي [٩] و تفسير الرازي [١٠] و آيات الأحكام للأردبيلي [١١] و غيرها صعوبة الحال فيها.
فلا مناص حينئذٍ عن حمل تلك الأخبار على ما عرفت، بل قد يقال فيها بنحو ما سمعته في نافلة الزوال- و إن بَعُد- من أنّ هذه النافلة المقدّمة عوض عن صلاة الليل التي يغلب على ظنّه عدم فعلها في وقتها، و عدم قضائها على حسب العوضيّة التي قرّرناها هناك، و المراد بالأفضليّة حينئذٍ في الصنفين لا الشخص في الوقتين، و اللّٰه أعلم.
[١] الفقيه ١: ٤٧٨، ذيل الحديث ١٣٨١.
[٢] التهذيب ٢: ١١٨، ٣٣٧، ذيل الحديث ٤٤٥، ١٣٩٤.
[٣] الوسائل ٤: ٢٥٣، ب ٤٤ من المواقيت، ح ١٣.
[٤] تفسير القمّي ٢: ٣٩٢.
[٥] المزّمل: ٢- ٤.
[٦] تفسير الصافي ٥: ٢٤٣.
[٧] البحار ٨٧: ١٣٠.
[٨] تفسير الكشاف ٤: ٦٣٦- ٦٣٧.
[٩] تفسير البيضاوي ٢: ٥١٣.
[١٠] تفسير الرازي ٣٠: ١٧٢- ١٧٣.
[١١] زبدة البيان: ٩٤.