جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٨٨ - الصلاة بين المقابر
و [لكن يكره التقدم عليها] (١). و استحباب تركه باعتبار كونه من الآداب المندوب إليها (٢).
و أمّا المحاذاة فهي أولى بالصحة من التقدّم (٣).
(١) [إذ] عليه [ما تقدّم] حينئذٍ يتم القول بكراهة التقدم.
(٢) فمن الغريب ركون جماعة من متأخّري المتأخّرين إلى البطلان- كالبهائي [١] و غيره- للصحيح المزبور الذي لم يخصّ الصلاة بالنهي، بل مقتضاه مطلق التقدّم و إن لم يكن في الصلاة. و لا غرو ممّن لم يتحرّر عنده الطريقة منهم، أو لم يعضّ عليها بضرس قاطع. و عليه قد يقال بعدم البطلان في هذه الأزمنة لوجود الحائل من الصندوق و الثياب و الشبابيك و نحوها، و احتمال سريان حكم القبر إليها باعتبار معاملتها معاملته في التعظيم و غيره لا تساعده الأدلّة.
(٣) خصوصاً بعد صحيح الحميري الآمر فيه بالصلاة عن اليمين و الشمال؛ إذ احتمال عطف قوله (عليه السلام): «يصلّي» فيه على «يتقدم» أو «يصلّي» الاولى- فلا يكون دالّاً على ذلك- كما ترى مخالف للمعروف في تأدية هذا المعنى بإعادة النفي، و عدم الاتكال على النفي الأوّل، بل تركه فيه قرينة على إرادة الإثبات من المعطوف. و دعوى أنّ رواية الاحتجاج قرينة على إرادة ذلك منه، يدفعها: أوّلًا: أنّ المعنى المذكور ممّا لم يتعارف إرادته من مثل العبارة المزبورة اعتماداً على أمثال هذه القرائن. و ثانياً: أنّ اليمين و الشمال في الصحيح أعم من المساواة في خبر الاحتجاج، فنفيها فيه لا يصلح قرينة على إرادة النفي من اليمين و الشمال فيه.
نعم، لو لا أنّه قاصر أمكن تقييد الصحيح به، لكن لا ريب في قصوره؛ لضعفه، و اعتضاد الصحيح: ١- بإطلاق قول الصادق (عليه السلام) في صحيح جعفر بن ناجية: «صلّ عند رأس [قبر] الحسين (عليه السلام)» [٢]. ٢- و في خبر الثمالي: «ثمّ تدور من خلفه إلى عند الرأس، و صلّ عنده ركعتين- إلى أن قال:- و إن شئت صلّيت خلفه، و عند رأسه أفضل» [٣]. ٣- و في خبر صفوان:
«ثمّ تصلّي ركعتين عند الرأس» [٤]. ٤- و في خبره الآخر: «ثمّ صلّ عند الرأس ركعتين» [٥]. ٥- و في المروي عن العيون مسنداً إلى ابن فضال قال: رأيت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) و هو يريد أن يودّع للخروج إلى العمرة، فأتى القبر من موضع رأس النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بعد المغرب فسلّم على النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و لزق بالقبر، ثمّ انصرف حتى أتى القبر فقام إلى جانبه يصلّي، فألزق منكبه الأيسر بالقبر قريباً من الاسطوانة التي عند رأس النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فصلّى ست ركعات أو ثمان ركعات [٦]. إلى غير ذلك من النصوص التي أفتى بمضمونها جماعة من الأصحاب في آداب الزيارة. فرفع اليد عن إطلاقها- الذي يمكن دعوى أنّ أظهر أفراده المحاذاة- لمكاتبة الحميري [٧] الضعيفة كما ترى. و من الغريب ما عن بعض متأخّري المتأخّرين [٨] من تحريم المساواة كالتقدم؛ للخبر المزبور المعارض بما عرفت، و الجاري في تعليله ما سمعت، و المخالف للمشهور من جواز المساواة إن اريد من الإمام فيه إمام الجماعة، على أنّك قد عرفت عدم الحرمة في التقديم الذي هو أقوى شبهة منه من وجوه فضلًا عنه، بل حمله على الكراهة كالتقدم بعد المعارضة بما سمعت لا يخلو من إشكال و إن كان ممّا يتسامح فيها؛ لأنّ معارضها أيضاً الاستحباب و هو ممّا يتسامح فيه.
[١] الحبل المتين: ١٥٩.
[٢] الوسائل ١٤: ٥١٩، ب ٦٩ من المزار، ح ٥.
[٣] المستدرك ١٠: ٣٢٧، ب ٥٢ من المزار، ح ٣.
[٤] البحار ١٠١: ٢٠٠، ح ٣٢.
[٥] المصدر السابق: ٢٦٠، ح ٤١.
[٦] العيون ٢: ٢٠، ح ٤٠. الوسائل ٥: ١٦١، ب ٢٦ من مكان المصلّي، ح ٤، و فيه: «الاسطوانة المخلقة».
[٧] الوسائل ٥: ١٦٠، ب ٢٦ من مكان المصلّي، ح ١، ٢.
[٨] بداية الهداية ١: ٧٠.